mercredi 15 septembre 2010

الأعمال الكاملة للمفكر الإسلامي محمد بن عمر ؟

نـــــــــداءات حارة بقلم : محمد سالم بن عمر- عضو اتحاد الكتاب التونسيين - Mohamedsalembenamor21@yahoo.fr http:islam3mille.blogspot.com 86، حي الليمون ، منزل بورقيبة 7050 / ص.ب :260 ولاية بنزرت – الجمهورية التونسية . الهاتف : 23038163 (00216) 






 نداء إلى خطباء المساجد في العالم الإسلامي قد بوأكم الله – أيها السادة- مكان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وقد علمتم أن الله قد فرض على المسلمين صلاة الجمعة بعد هجرة الرسول عليه السلام ومن آمن معه إلى المدينة وإقامة دولة الإسلام هناك، دولة أسها مؤمنون صادقون باعوا أنفسهم وأموالهم لله رب العالمين ، ودستورها ما تنزّل على النبي الكريم من سور قرآنية مدنية فصّل الله فيها القول تفصيلا في كل مناحي الحياة الإجتماعية والإقتصادية والسياسية... فلماذا تسمحون لأنفسكم أيها الخطباء بالافتراء على الله ورسوله وتعتلون منابر في ظل أنظمة حكم علمانية لا تحكم بما أنزل الله، ظالمة لشعوبها، فاسقة عن كل القيم والمبادئ الإسلامية... أتبتغون عند هؤلاء المجرمين العزّة فإن العزّة لله جميعا، تدعون لهم بالنصر، ولن ينصر الله أقواما فرقوا دينهم وكانوا شيعا، فلستم منهم وليسوا منكم، بل هم قوم عادون. كتب الله عليهم الخزي دنيا وآخرة ولن ينجيكم الله من مصيرهم المظلم إلا بالتبرؤ منهم، فالله قد أهلك من قبلكم فرعون وجنده، وأنتم قد أصبحتم جنودا من جنود فراعنة العصر الحديث تخضعون لوزارات الداخلية في حكوماتهم وتقبضون مرتباتكم منهم، مرتبات زهيدة مقابل بيعكم لآيات الله التي تلعنكم وتلعن سادتكم ليلا نهارا... فأف لكم وأفّ للمبررات الكاذبة التي ستقفون بها أمام الله يوم يقوم الناس لرب العالمين. اعلموا أيها "الخطباء" أن هؤلاء الفراعنة يسخرون منكم في سرهم عند حضورهم مناسباتكم الدينية لأنهم يعلمون يقينا أنكم لن تتفوّهوا إلا بما يرضيهم ويرضي استكبارهم في الأرض بغير الحق، وما أنتم إلا خاتما في إصبعهم، وأنكم لأهوائكم متبعون، وبمشائخ أموات مقتدون، وأنكم وإياهم عن الصراط لناكبون، وأنكم وإياهم أموات غير أحياء وما تشعرون، وأنكم قد حولتم أمتنا الإسلامية إلى جثث هامدة لذلك تداعت علينا الأمم من كل حدب وصوب لو تشعرون، لذا فإننا نتبرّأ منكم وسنبقى نكن لكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وتوحدوه بصدق وتعلنوا سرّا وجهرا كفركم بهؤلاء الفراعنة المجرمين، واعلموا أننا لن نصلي وراءكم حتى تثوبوا إلى رشدكم. "وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون، أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم به يوقنون" (المائدة/49-50).صدق الله العظيم نداء إلى المرأة المسلمة في العالم الإسلامي لقد خلقك ربك وسواك في أحسن الصور وأبهاها وأجمل قوام وأروعه، وجعل سكينة الرجل وسعادته لاتتم إلا بالتوحد بك ومعك جنسيا وعاطفيا وفكريا لذلك فالرجل يطلبك ولا تطلبينه وينفق عليك كل غال ونفيس طلبا لرضاك لأن في رضاك سعادته وهناءه دنيا وآخرة. أما الحركات الإسلامية والأحزاب السياسية والحكومات في العالم الإسلامي .. فهم جميعا يستغلونك ويوظفونك لقضاء مآربهم ومصالحهم واتخاذك مصعدا للفوز بكراسي الحكم والنفوذ لا غير، إن أمرك الإخواني بواجب فلفرض سيطرته وتلبية لنزواته واستجابة لعادات أوحى بها إليه ذهنه المريض أو شيخه الميت أو زعيمه المتاجر بآيات الله والمحرف لها ابتغاء الفتنة والتحيز إلى فئة.. و إن أمرك السياسي المعارض بالإنتماء إلى معارضته وحزبه فليخوف بك رجال السلطان علّهم يمنّون عليه بفتات موائدهم من الحكم والنفوذ... أما قرارات السلط السياسية في العالم الإسلامي .. وإنجازاتها فقد حولتك أيتها الطاهرة العفيفة ، وحولت أخواتك إلى سلعة تباع وتشترى في أسواق النخاسة: في وسائل الإعلام المختلفة صوتك و جمالك لإشهار سلع المستكرشين و المستكبرين في الأرض والظلمة لعمالهم في مصانعهم... أكرهوك على دور الخناء والنزل وأماكن الترفيه .. لتدنيس عفتك وطهرك مع أن خالقك قد فرض على أبيك أو زوجك أوالدولة – دولة التوحيد - التكفل بكل مصاريفك وكل احتياجاتك..شجعوك على العمل في الشركات والمؤسسات لاستغلالك فيما لم تخلقي من أجله وهو الإنفاق على نفسك وعيالك وزوجك حتى فقدت بهائك وجمالك ونضارتك... وانصرفت عن مهمتك الحقيقية في رعاية الأجيال .. و تربيتهم .. لقد أرهقوك يا سيدتي بدنيا ونفسيا حتى كرهوك في جمال الحياة وروعتها. إن الأحرى بك أيتها الطاهرة العفيفة أن تكفري بربوبية هؤلاء المجرمين جميعا - الأموات غير الأحياء وما يشعرون - العاجزين عن النفع والضر ولو لأنفسهم وتستضيئي بنور ربك في القرآن لإحياء نفسك وأخيك الإنسان وتبحثي لك عن مسلم مثلك لا يخضع إلا لأوامر الله عز وجل خالقكما من نفس واحدة ، يكون لك لباسا وتكونين له لباسا تستران بعضكما بعضا وتوحدان الله ناصركما ومحقق سعادتكما. اتحدي أيتها المسلمة الطاهرة مع حبيبك وزوجك وأبوك وأخوك المسلم لإقامة "دولة التوحيد " في العالم دولة الرب الحقيقي , لنصرة المستضعفين من النساء والرجال والولدان والقضاء على دول المستكبرين والطواغيت والظلمة والمجرمين في الأرض... تحرري من أغلال هؤلاء الأرباب المزيفين فلن يضروك بشيء ولن ينفعوك مادمت مع الله. فالله يمقت هؤلاء الحكام لأنهم يقولون ما لا يفعلون ويذيعون قرآنا يلعنهم ويلعن سدنتهم من الكهان المتاجرين بالدين ليل نهار... وتمتعي بالحياة كما شاءت لك روحك الطاهرة. نداء إلى الشعوب الإسلامية الشعوب الإسلامية تنحاز إلى تطبيق سنن و قوانين القرآن؟ يا شعبي العربي المسلم الحبيب ׃ لقد عشت بين أظهركم منذ أربعين سنة، انعم بخيرات هذه البلاد الإسلامية المعطاء.. لذا أحببت أن أذكركم و اذكر كافة القوى الحية في عالمنا الإسلامي بالله ربنا جميعا و رب العالمين.. مالك الملك و رازق الخلق بغير حساب ... و أن نعبده وحده دون شريك .. و أن نفرده بالطاعة و الخضوع لما أنزل علينا في القرآن .. و نجعل من جميع آياته البينات دستورا لحياتنا و قوانين تنتظم به علاقات بعضنا ببعض ׃ أفرادا و جماعات .. نساء ورجالا .. حكاما و محكومين.. يا أحفاد طارق ׃ إن القوانين التي استنوها لكم منذ استقلال بلداننا في العالم الإسلامي و تخضعون لها اليوم في حياتكم.. قد استنها عباد أمثالكم عاجزين بطبعهم عن تقييم أي سلوك أو مدى نفعه أو ضره لكم.. و قد حولت هذه القوانين الوضعية حياتكم إلى جحيم لا يطاق .. و ضنك في العيش لا يدانى ..لأنها قوانين تتعارض و الفطرة التي خلفكم ربكم عليها( فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله). فأفقدت رجالكم رجولتهم و نساءكم أنوثتهن.. فاستشرى العجز الجنسي و مرض السكري و ضغط الدم و شتى الأمراض المزمنة و البطالة المهلكة و الانحراف المهين لكرامتكم.. و ضاع أبناؤنا في متاهات الطريق..! (أربعون في المائة من التونسيين – مثلا - يعانون عجزا جنسيا متفاوتا.. و أن الأمراض المزمنة تتزايد في تونس من عام إلى آخر حسب ما جاء في جريدة القدس العربي ليوم 28 فيفري 2008) و( تحت عنوان : تونس الأولى عربيا .. و الرابعة عالميا : 9127حالة طلاق سنة2008 و العنف و الخيانة أبرز الأسباب - المرجع: جريدة الصباح ؟8 أوت 2009 – تحتل تونس المركز الأول عربيا و الرابع عالميا في نسبة الطلاق بعد أن بلغت حالات الطلاق أرقاما قياسية / المشاكل الإجتماعية تسبب بنسبة 48.3%بحالات الطلاق و التي تشمل المعاملة السيئة و العنف و عدم الشعور بالمسؤولية و الإختلاف في المستوى الثقافي و التعليمي / حالات الطلاق لسنة 2008 بلغت 9127 حالة مقابل 16 ألف زواج لنفس السنة ، و تعتبر نسبة الطلاق الأعلى في المنطقة العربية حسبما جاء في الدراسة والملفت للإنتباه في الدراسة أن أكثر من 50% من رافعي قضايا الطلاق من النساء سنة 2008بينما كانت سنة 1960لا تتجاوز 6%) تذكروا أيها الأحبة ׃ إن قوانين الله و سننه نافذة على جميع خلقه طوعا و كرها لأنها قوانين أزلية خلقت مع خلق الإنسان .. فلنختر السير على هديها طوعا لا كرها.. بإيمان و احتساب .. حتى نسعد دنيا و آخرة كما سعد كل أتباع الرسل عليهم السلام ׃" فمن اتبع هداي فلا يضل و لا يشقى و من أعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا و نحشره يوم القيامة أعمى" سورة طه الآية 123و 124. و اعلموا أيها الأحبة ׃ إن جميع الخلق .. مهما أوتوا من علم و قوة لا يملكون لكم ضرا و لا نفعا إذا آمنتم بربكم حق الإيمان و نصرتم دينه واستجبتم لما أنزل علينا في القرآن .. و تذكروا أن الله قد أهلك من قبل فرعون و هامان و جنودهما.. فهل تقبلون العيش جنودا للطواغيت و قوانينهم التي ما سنت إلا لإخضاعكم للطواغيت و سدنتهم من الكهنة و رجال الدين البائعين لآيات الله بثمن بخس و استغلالهم.. و نهب الثروات التي أنعم الله بها عليكم و على بلادنا لتكونوا عبيدا له لا لغيره من الخلق.. .! و تذكروا أيها الأحبة أنكم قد أعطيتم عهدكم و ميثاقكم الغليظ لله ربكم عندما تقفون بين يديه كل يوم معاهدين مرددين׃" إياك نعبد و إياك نستعين" يا أبناء شعبي المسلم: تشكل بلادنا الإسلامية منارة للإسلام دين التوحيد و الخضوع لشرع الله العزيز... و قلاعا حصينة لأمة الإسلام في العالم .. أمة جميع الأنبياء عليهم السلام.. فلا تسمحوا لأنفسكم بالخضوع لحكم سماسرة/ طواغيت ما أنزل الله بها من سلطان أو نفوذ .. إني أعظكم أن تكونوا من " الجاهلين " أو" الظالمين " أو" الفاسقين عن شرع الله" ׃(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) سورة المائدة الآية 44 . يا شعبي الحبيب: إني أهيب بكم جميعا أن لا تتخذوا من الطواغيت مهما كانت مسمياتهم أربابا لكم تتبعون قوانينهم الوضعية الفاسقة عن شرع الله و تشريعاتهم الظالمة – التي ما حبروها إلا لخدمة مصالحهم ... إنها قوانين عمياء كعمى بصيرة الذين حبروها.. فاسقة عن قوانين الله و فطرته التي فطر الناس عليها و سننه في الأسرة و المجتمع و الحياة الحق الطيبة... و التي أهوت بكم في مكان سحيق من الظلم و الضياع و ضنك العيش ﴿ شاهدوا إن شئتم برامجهم الإجتماعية مثل "برنامج الحق معاك" على قناة تونس 7 الفضائية مع العلم أن تونس العلمانية ، تزعم أنها تمثل رمز التقدم و التطور في العالم الإسلامي كله..؟!﴾.... فالله وحده مولاكم و رازقكم و العالم بحقيقة ما يناسب خلقتكم .. نعم المولى و نعم النصير.. و تذكروا أن الأرض أرضه وعد بتوريثها عباده الصالحين المتبعين لما أنزل في القرآن العظيم.. إني أدعوك يا شعبي المسلم لنتكاتف جميعا و نوحد جهودنا و إرادتنا .. نساء و رجالا حكاما و محكومين لإقامة دولة التوحيد في عالمنا الإسلامي .. دولة أسها الإيمان و قانونها آيات القرآن العظيم .. و نجمع شتات أمتنا الإسلامية في مشارق الأرض و مغاربها حتى نقوى بهم و يقووا بنا و نرفع الظلم عن أنفسنا و عن كل المستضعفين في الأرض و نوصل رحمة الله إلى جميع الخلق :" و إن هذه أمتكم امة واحدة و أنا ربكم فاتقون"سورة المؤمنون الآية 52. ارفعوا الظلم عن أمتي السادة زعماء و قادة المسلمين.. سلام الله عليكم وبعد : لقد ملكتم رقاب المسلمين عنوة و حكمتم بغير ما أنزل الله في كتابه الحكيم... فأذل الله شعوبكم على أيديكم لأنهم قبلوا الخضوع لربوبيتكم- أصبحتم مصدر التشريع الظالم !!؟- و الإحتكام لغير ما أنزل الله ... و أذلكم على أيدي أعدائكم من عبدة العجل و الطاغوت.. الذين حولتهم أفعالهم الآثمة إلى قردة و خنازير ... و على أيدي الصليبيين من أمريكان و أنكليز و فرنسيين و ايطاليين ... السادة زعماء و قادة المسلمين: عاهدتم الله أن تصونوا حرمة ديارنا لكنكم تجاوزتم كل الحدود في نكث العهد: فقد أبحتم حرمة ديارنا و أبنائنا و نسائنا لغير المسلمين ممن يتفننون في مص دمائنا متخفين وراء مؤسسات متعددة الجنسيات... استوليتم على الحكم استيلاء ! و تعهدتم بنشر الأمن و تحقيق العزة و المناعة... فتلك خيرات بلادنا منهوبة.. و أعراض رجالنا و نسائنا منتهكة.. و المواطن يعاني شتى صنوف القهر و الإذلال.. يلهث وراء لقمة العيش لهاث الكلاب .. و عجزتم عن توفير الأمن حتى لأنفسكم و أهاليكم ... أشعلتم نيران الفتنة و التصادم و التنافر بقوانينكم الوضعية/ الظالمة ، فصارت المرأة تعادي زوجها عوض التكامل معه و التعاون كما أراد رب العزة :(هن لباس لكم و أنتم لباس لهن ). و جعلتم شعوبنا فرقا و مللا متناحرة .. متنافرة بما يبثه سحرتكم و كهنتكم من سموم...! اعلموا أيها السادة أن القوانين الوضعية /الأديان التي ابتدعتموها بمعية سحرتكم و كهنتكم و التي صيرتموها موازية لدين الله / دين الحق و التي تخضعون لها شعوبكم لن تضمن لكم و لهم أمنا أو استقرارا و لا ازدهارا و لا طيب عيش لأنها تتصادم و قوانين الفطرة و الحياة و نواميسها التي خلقها الله عليها ..؟! لذا فبطن الأرض خير لكم من العيش على غير ما شرع الله لنا جميعا لو كنتم تعقلون..! السادة زعماء و قادة المسلمين: أليس فيكم رجل رشيد .. فيحكم شعبه المسلم بقوانين القرآن و سننه الأزلية في الأسرة و المجتمع المفصلة تفصيلا بينا ..!!؟؟ و يتخذ من الله و رسوله و المؤمنين الصادقين أولياء له يستعين بهم على تطبيق آيات الذكر الحكيم و قوانينه الأبدية على واقع المسلمين المعيشي حتى يؤتيه الله أجره مرتين .. في الدنيا و الآخرة .. !! فيسعد هو و يسعد شعبه؟؟ لقد سبق و اتخذتم من الغرب و الروس .. أولياء لكم من دون الله .. فسمم عبد الناصر و دمرت بلاده.. و أعدم صدام و أهلك حرثه و نسله .. و يراد لعمر البشير أن يحاكم كمجرم حرب هو و شعبه ثم يباد..!! السادة زعماء و قادة المسلمين: لا نجاة لكم .. و لا نجاة لنا إلا بالإحتكام لشرع الله جميعا حكاما و محكومين و إقامة عدالة الإسلام في ارض الإسلام إخلاصا لله و نصرة لدينه الذي فضلنا به على العالمين .. - حولوا المجالس التشريعية في بلدانكم إلى لجان مختصة كل في ميدانه لاستنباط أحكام القرآن و شريعته في الأسرة و المجتمع و الإقتصاد و السياسة و كل العلاقات الداخلية و الخارجية ... - شكلوا من أحيائكم السكنية لجانا .. كل أسرة يمثلها فرد تعطى لها صلاحيات تشريعية (فيما يخص حيهم فقط ) و تنفيذية لخدمة مصالح حيهم و سكانه تحت إشراف وزارة تابعة للدولة المركزية.. فيعم البناء و التشييد و النشاط كافة سكان بلداننا و نصبح جميعا شركاء في خيرات بلادنا.. - أعطوا الشباب العاطل الأراضي الخصبة لفلاحتها و تخضيرها و تشجيرها بما ينفع البلاد و العباد و سهلوا لهم إنشاء صناديق تمويل تؤخذ من أغنياءنا و ترد على المحتاجين من شبابنا حتى يصبحوا أفرادا منتجين .. فالأرض و الخيرات كلها لله و ما دمنا جميعا عبيدا لله متساوون، فلا بد أن نتساوى جميعا في عطايا الله.ألا هل بلغت اللهم فاشهد. أيها الناس في الشرق و في الغرب اعبدوا ربكم الذي خلكم و الذين من قبلكم...خالق كل شيء في الوجود.. و لا تتخذوا بعضكم بعضا أربابا من دون الله تتبعونهم من دوت الله و تقدسون القوانين و الدساتير التي تمليها عليهم مصالحهم و أهواءهم ليقتسموا بها الثروات و الخيرات التي انعم الله بها عليكم.. حتى صار لكل بلد دستوره و قوانينه التي يتبعها معرضا عن شريعة الله و سننه في القرآن الذي جاء مصدقا لكل الكتب الإلاهية التي سبقته ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك و ما وصينا به إبراهيم و موسى و عيسى أن أقيموا الدين و لا تتفرقوا فيه) - سورة الشورى الاية13- أيها الناس في الشرق و في الغرب لا تتركوا هؤلاء المتاجرين بآيات الله يضحكون على ذقونكم.. ويشرعون لكم القوانين باسم الإجتهاد و مواكبة العصر.. فالذي شرعه لكم ربكم منذ خلق آدم عليه و على نبينا السلام هو الشرع الحق الذي يناسب فطرتكم التي خلقكم ربكم عليها... و سيحاسبكم طبقا لتلك المعايير/الآيات يوم تقفون بين يديه للحساب .. إن قوانين الله و سننه نافذة علينا جميعا في الدنيا و الآخرة .. و انظروا إلى عذابات الخلق في الحياة لأنهم لا يلتزمون بقوانين الله التي شرعها لهم منذ الأزل .. عذابات الفلسطينيين.. عذابات اليهود.. عذابات المسلمين في العالم ... : عذابات نفسية و بدنية تتناسب و الإنحراف عن شرع الله و التنكب عن قوانينه في الكون و الإنسان و الحياة... أيها المستضعفون في الشرق و الغرب اصطفوا جميعا وراء القرآن/كتاب ربكم الحق و اكفروا بطواغيت/ فراعنة الأرض جميعا.. فهؤلاء الجهلة لا يملكون لكم ضرا ولا نفعا و لا لأنفسهم.. إنهم يستغلون جهلكم بشرع ربكم ليسخروكم لمصلحتهم و مصلحة المتاجرين بآيات الله ... و تكاتفوا لإقامة دولة التوحيد في العالم .. دولة الرب الحقيقي .. حتى نسعد جميعا برحمة الله.. دنيا و آخرة ...! أيها الأحبة أيها المسلمون أيتها المسلمات لقد اخترتم أن تكونوا من أتباع من أرسله ربه " رحمة للعالمين " و لقد أحياكم ربكم و جعل لكم نورا تمشون به بين الناس بعدما كنتم "أمواتا" فما الذي أزرى بحالكم و حولكم إلى جثث هامدة تابعة إلى أنظمة و حكومات علمانية لقيطة و تابعة لأنظمة الغرب الإستعماري ألإستكباري تتبع أهواءها في سن القوانين و التشريعات الإجتماعية و الإقتصادية و السياسية و لا تقيم أي وزن لشريعة الله المفصلة تفصيلا بينا في كتابه العزيز !؟ ما سبب قبولكم أن تكونوا عبيدا و خدما و جنودا في جيوش فراعنة العصر الحديث الذين تنكروا لربوبية الله خالق الكون و الإنسان و الحياة و ادعت لنفسها الربوبية بتحكمها في خلق الله طبقا لقوانين و تشريعات وضعية يستنونها حسب أهوائهم و قد أعلنوا عداءهم لكل ما هو رباني مسلم ؟! أيها الأحبة أيها المسلمون أيتها المسلمات لقد استبيحت أرضكم و أعراضكم من قبل مشركين نجس و انتهبت ثرواتكم ممن يعلن العداء لله و لرسوله و للمؤمنين و أنتم صامتون أو متواطئون أو منغمسون في جمع فتات موائد هؤلاء الأنجاس الذين قد حولوا أرضكم إلى فيء منتهب من قبل قوى الإستعمار و الإستكبار العالمي... !!؟؟ أيها الأحبة أيها المسلمون أيتها المسلمات بماذا ستجيبون ربكم القوي العزيز يوم تقفون بين يديه للحساب.. و قد وعدكم بالنصر الأكيد إن أنتم نصرتم دينه و أقمتم حدوده واتبعتم منهجه؟؟؟ أيها الأحبة أيها المسلمون أيتها المسلمات إن ربكم واحد و قرآنكم واحد و رسولكم واحد فلماذا انقسمتم إلى أمم متفرقة و نحل متنافرة و أحزاب متقاتلة مما حولكم إلى اضعف الأمم و أذلها.. بأسها بينها شديد و قد قال ربكم " و لا تتفرقوا فتذهب ريحكم "!!!؟ أيها الأحبة أيها المسلمون أيتها المسلمات لقد بنى نبيكم محمد صلى الله عليه و سلم – قدوة كل المؤمنين في العالم - الإنسان المؤمن الموحد لله رب العالمين و الخاضع لأوامر الله و نواهيه خلال ما اصطلح على تسميته بالفترة المكية ثم بحث عن النصرة لدين الله فوجدها بالمدينة المنورة أين أقام دولة الإسلام على ضوء القرآن المدني الذي رسم له و للمؤمنين كل تفاصيل و معالم المجتمع الإسلامي إجتماعيا و اقتصاديا و سياسيا.. و أنتم لا تزالون راضين بأن تكونوا تابعين لأنظمة بشرية مشركة بالله.. تعيش في ظلمات بعضها فوق بعض.. و ليسوا بخارجين منها إلا بالقطيعة التامة معها مهما كانت مسمياتها.. : ( ملكية.. إستبدادية.. ديمقراطية... حداثية أو غيرها ). أيها الأحبة أيها المسلمون أيتها المسلمات لقد أهلك الله من قبل من هو أشد قوة من أمريكا و إنكلترا و روسيا و فرنسا.. و أغرق فرعون و هامان و جنودها و خسف بقارون و بداره الأرض... لما وجدت الفئة المؤمنة الموحدة لله رب العالمين... فهل تنتظرون أن يهلك الله هؤلاء المستكبرين في الأرض و أنتم قد أصبحتم جزءا لا يتجزأ من شعوبهم تؤمنون بأنظمتهم الوضعية و تطبقون قوانينهم المكرسة للجريمة بمختلف أشكالها – لاحظوا نسبة العود إلى السجون في مختلف أنحاء العالم- و تخضعون لها بملء إرادتكم و تستمسكون بأخلاقهم .. و تتبعون أهواءكم .. و من أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله !؟ أيها الأحبة أيها المسلمون أيتها المسلمات تخافون أمريكا و إسرائيل و أنظمة لقيطة.. و لا تخافون الواحد الأحد القوي العزيز الجبار.. تعملون ألف حساب لأنظمة لقيطة تابعة و لا تخافون من الملك الديان.. مالك الملك.. ثم تزعمون أنكم مسلمون ؟!! تتعهدون و انتم واقفون بين يدي الله - للصلاة- بطاعته و الخضوع لشريعته ثم تنكصون على أعقابكم في جميع تفاصيل حياتكم و تنتهكون حدود الله و حرماته ظاهرا و باطنا .. فكيف ينصركم الله ؟؟! أيها الأحبة أيها المسلمون أيتها المسلمات ثوبوا إلى رشدكم و انصروا دين الله لينصركم الله و يمكن لكم في الأرض كما مكن لأسلافكم لما صدقوا ما عاهدوا الله عليه.. و السلام على من اتبع الهدى . نداء إلى قادة حركة حماس لقد أرسل الله محمدا صلى الله عليه و سلم رحمة للعالمين.. و لقد استطاع هذا النبي الأمي خلال 23 سنة من بعثته أن يحول الأميين في جزيرة العرب إلى خير امة أخرجت للناس في التاريخ البشري كله.. فلماذا تحولت حركتكم إلى نقمة على الشعب الفلسطيني – شعب الجبارين- و أنتم تحملون نفس ما جاء به محمد صلى الله عليه و سلم!؟ و الجواب بكل بساطة ووضوح:" لأن محمدا قد بنى شعبا بدءا من بناء الإنسان المؤمن، و أنتم قد بنيتم سلطة انطلاقا من شعب ورث الإسلام..!!" لقد اتبع محمد صلى الله عليه و سلم ما أوحي إليه من ربه خطوة بخطوة لأنه يعلم علم اليقين أن ما أنزله الله عليه من آيات بينات هو النور الذي يضيء له دروب الحياة المدلهمة و يحميه من السقوط في متاهاتها الكثيرة.. لأنه من عند الله العزيز الحكيم الذي يعلم غيب السماوات و الأرض و يعرف حقيقة هذه الحياة. لقد قام محمد صلى الله عليه و سلم ببناء* الإنسان المؤمن*الذي يؤمن بالله و ملائكته و كتبه و رسله.. و غير مفاهيمه عن الكون و الإنسان و الحياة بمفاهيم القرآن المكي الذي يكشف للمؤمن حقائق الوجود.. و أفرغ ذهنه من المعتقدات الباطلة التي لا صلة لها بحقائق الوجود.. و ملأ عقله بمفاهيم الإيمان الصحيح و ما يترتب عن هذا الإيمان من سلوك قويم في مختلف ميادين الحياة الإجتماعية و الإقتصادية و السياسية.. حتى إذا ما اكتمل له بناء الإنسان المؤمن الذي يستنير في حياته كلها بآيات الذكر الحكيم كلفه ربه بالهجرة إلى المدينة التي احتضنت المؤمنين بدعوته صلى الله عليه و سلم و تكوين السلطة /الدولة التي تحتكم إلى شرع الله داخليا و خارجيا.. و في كل ميادين الحياة.. و في المدينة / الدولة سعى الرسول / القدوة صلى الله عليه و سلم إلى تأسيس جيش قوامه "مؤمنون" باعوا أنفسهم و أموالهم و كل ما يملكون لله رب العالمين مقابل الفوز برضوانه يوم لقاه :" إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بان لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون و يقتلون وعدا عليه حقا في التوراة و الإنجيل و القرآن و من أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم و ذلك هو الفوز العظيم" (سورة التوبة الآية 111 ). أما أنتم في حركة حماس فقد سعيتم منذ بداية تأسيس حركتكم إلى تكوين " مجاهدين" يجتهدون في معصية الله و مخالفة أوامره.. بقتل أنفسهم في سبيل القدس و ليس في سبيل الله مع أن الرسول /القدوة صلى الله عليه و سلم لم يسع يوما إلى تكوين مجاهدين يقاتلون في سبيل البيت الحرام- و قد كانت بأيدي المشركين- رغم أنها اشرف عند الله من بيت المقدس.. و الله يقول:"و لا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما" ( سورة النساء الآية 29). كما نهى الله عز و جل عن قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق و أنتم تقتلون - في الغالب الأعم – أناس أبرياء لا صلة لهم بالحرب الوهمية التي تخوضونها ضد إسرائيل ! كما ترشح قادة حركتكم إلى المجلس التشريعي الفلسطيني وهو مؤسسة تشريعية لا تحكم بما أنزل الله:"و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " ( سورة المائدة الآية 44 ). : "و أنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب و مهيمنا عليه فاحكم بينهم بما انزل الله و لا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة و منهاجا و لو شاء الله لجعلكم امة واحدة و لكن ليبلوكم فيما أتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم فيما كنتم فيه تختلفون. و أن أحكم بينهم بما أنزل الله و لا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فان تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم و إن كثيرا من الناس لفاسقون. أفحكم الجاهلية يبغون و من أحسن من الله حكما لقوم يوقنون " ( سورة المائدة الآيات 48 و49 و50 ). فالمؤمنون أبدا لم و لن يكونوا في حاجة لمجلس تشريعي لأن الله هو المشرع الوحيد في الإسلام – لذلك سمي بدين التوحيد (وحدانية المشرع)- و المؤمنون ملزمون جميعا بما فيهم الأنبياء عليهم السلام بالإحتكام إلى شريعة الله المفصلة تفصيلا في القرآن المدني و الخضوع التام لها. و هكذا تكون حركة حماس و إن رفعت الإسلام شعارا لها فهي لا تخضع لأوامر الله و نواهيه في حركتها و نضالاتها و اختياراتها.. بقتل ناشطيها لأنفسهم في عمليات انتحارية قصد قتل أناس أبرياء في الغالب الأعم نهى الله عن قتلهم ، و قد حرم الله الجنة عن قاتل نفسه أو قاتل نفس بريئة عمدا ! إن منهج الإسلام واضح في تأسيس السلطة الإسلامية /الدولة.. تبتدئ بإيجاد المؤمنين بالله ...المستمسكين بالوحي.. الخاضعين لشريعة الله و تنتهي بإنشاء الهياكل التي تسهر على رعاية شؤون المسلمين طبقا لشريعة الله و ثوابته و إنزال آيات الله /الثوابت في الواقع المعيش للناس حتى تعمهم الرحمة التي بعث من أجلها الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم... و كل الأنبياء من قبله .. ثم إيجاد الجيش الذي يحمي الدولة الإسلامية من المعتدين... و الظالمين . لذلك أهيب بالعقلاء من أبناء حركة حماس أن يعتزلوا العمل في الحكومة الفلسطينية التي تسببت في محرقة غزة و يعملوا على تكوين المؤمنين الصادقين قبل التفكير في إيجاد سلطة لا تحكم بشريعة الله... عندها ستعود فلسطين /كل فلسطين إلى أهلها / محمد سالم بن عمر Mohamedsalembenamor21@yahoo.fr http:islam3mille.blogspot.com محمد سالم بن عمر، كاتب و ناقد تونسي ، عضو باتحاد الكتاب التونسيين . أصيل سيدي بوعلي ولاية سوسة، متزوج و له شيماء و نصير الله. متحصل على شهادة الأستاذية في التنشيط الثقافي منذ 1992، وقد عمل مديرا لدور الثقافة بتونس . له مساهمات عديدة في النقد و الإبداع و المقال الفكري\ الحضاري... صدر له كتاب :" اللسان العربي و تحديات التخلف الحضاري في الوطن العربي الإسلامي عام 1995" كما صدر له كتاب :" نقد الإستبداد الشرقي عند الكواكبي و أثر التنوير فيه عام 2009" و قد نشرت له جل الصحف و المجلات الوطنية مقالات فكرية و نقدية و قصص قصيرة وقصائد .. كما نشرت له بعض المجلات و الصحف العربية .. مقالات فكرية وحضارية.. له مخطوطات عديدة أهمها : ذكريات زمن مضى (رواية) * نحو إعادة تشكيل الفكر العربي الإسلامي في العصر الحديث ﴿مقالات فكرية / حضارية﴾ ... اللغة العربية و الإبداع الحضاري محمد سالم بن عمر المقدمة قبل أن تصبح اللغة العربية غريبة بيننا! تعتبر اللغة من أهمّ مقوّمات الشعوب. فهي ترجمان فكرها وعواطفها ومختلف مظاهر الحضارة والتمدّن فيها ،ولقد أدركت مختلف الأمم و الشعوب هذه الأهمية للغة، قديما وحديثا، فلم تتوان أيّ منها عن دراسة لغتها، والإهتمام بها، والحرص على نشرها وتعليمها للآخرين وتحبيبها إليهم. ولقد بحث الإغريق في طبيعة اللغة ونشأتها، وتضافرت جهودهم في سبيل وضع قواعد للغتهم ابتداء من القرن الثاني قبل الميلاد. وشارك الفلاسفة اللغويين فكانت أبحاث أفلاطون في أصل الكلمة، ومشكلة المعنى كما درس العلاقة بين الأشياء والكلمات. وتابعهم في ذلك الرومان، فدرسوا اللاتينية ولما كان الإغريق قد اقتصروا على دراسة لغتهم فقط ، فقد فعل الرّومان مثلهم فلم يدرسوا قواعد أيّة لغة غير لاتينية، كأنّهم أرادوا أن تصبح هذه القواعد قوانين عامة تصلح لجميع اللغات، وهي نظرة سادت في أوروبا ، وظلت آثارها إلى سنوات قليلة مضت قائمة ، إذ حاول اللغويّون هناك تطبيق قواعد اللغتين اليونانية واللاتينية على اللغات التي انحدرت منها غاضين النظر عن مسافة الخلف بين هذه اللغات الحديثة وتينك اللغتين الميتتين. ولقد انصبّ اهتمام الإغريق والرومان على وضع قواعد لما يمكن أن يقابل اللغة الفصحى أو النموذجية، وهي لغة لم تكن متحدثة آنذاك وانشغلوا بوضع قواعد وضوابط ومعايير محدّدة لهذه اللغة سميت بالقواعد "المعيارية" وهي لا تتغير بمرور الزمن. أما في الهند فقد كان للكتاب الذي ألفه "بانيني" في القرن الرّابع الميلادي، الأثر البارز في توضيح قواعد اللغة السنسكريتية مبيّنا فيه وواصفا النظام الصوتي والصرفي والنحوي لتلك اللغة وصفا دقيقا. و لا تزال الأمم و الشعوب في العصر الحديث تولي أهمية بالغة للحفاظ على لغاتها و تطويرها و نشرها، من ذلك إقدام الدولة الفرنسية على التدخل في الواقع اللغوي عبر قوانين أصدرتها في سنوات 1490 و1510 و 1539 م ، و هذا الأخير هو الأشهر و المعروف بقانون فيلي كوتري، و قد سعت هذه القوانين إلى إبعاد اللاتينية و الإسبانية و الإيطالية من الساحة الفرنسية . كما أبعدت لغات فرنسا و لهجاتها الأصلية التي تعد بالعشرات ، و من بينها اللغة الباسكية ، و اللغة الكاتالانية و اللغة البروطانية ، إلى جانب ما يعتبره ﴿ كلود هاجيج ) في كتابه : ﴿﴿ الفرنسية و القرون )) بلهجات فرنسا ، كاللهجة الفلامانيكية المنتمية إلى اللغة الهولندية ، و اللهجة الألزاسية المنتمية إلى اللغة الألمانية و اللهجة الكورسيكية المنتمية إلى اللغة الإيطالية و قد قامت فرنسا بواسطة قانون ﴿ توبون ) ، سنة 1994 م بمنع استعمال اللغات الأجنبية خصوصا الأنجليزية في كل شيء بما في ذلك الإشهار. و وصل هذا القانون قمته عندما أراد ﴿ توبون ) ، وزير الفرانكفونية ، إزالة كلمات أنجليزية مترسخة في القاموس اللغوي منذ قرون . و في العصر الحديث أدركت المجتمعات الراقية أهمية اللغة في حياتها وحياة الشعوب التي تريد غزوها ، وبسط الهيمنة عليها فأخذت تنفق "الأموال الطائلة" من أجل تصنيع الثقافة بلغاتها وتصديرها إلى جميع أصقاع العالم ، تصرف بها وجوه الناس إليها وتغزوهم في عقر دارهم عن طريق القنوات المرئية والإذاعات المسموعة والمجلات والكتب والصحف و الشبكات العنكبوتية وغيرها من وسائل الإتصال الحديثة ... تفرض عليهم - من حيث يشعرون أو لا يشعرون - نمط حياتهم وطريقة عيشهم، وأسلوب تفكيرهم، وتقدم لهم الحلول لمختلف المشكلات التي تهم حياتهم السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية. وفي خضم هذا الواقع الذي تتصارع فيه مختلف الأمم والشعوب من أجل الحفاظ على لغاتها ونشرها وتطويرها ننظر بعين الحسرة و الألم إلى المستوى المنحدر الذي آلت إليه اللغة العربية، لغة القرآن ، وقد ساهم كل منّا بقسطه في هذا الإنحدار الرهيب ، وجنينا جناية بالغة في حق أبناء هذا الجيل والأجيال المقبلة بل في حق اللغة العربية. يقول الأستاذ فاروق جويدة تحت عنوان ﴿﴿قبل أن تصبح اللغة العربية غريبة بيننا)) : ﴿ اللغة العربية في محنة هذه حقيقة نكاد ندركها ونلمسها جميعا، ولكننا للأسف الشديد نقف أمامها مكتوفي الأيدي كمن يشاهد ابنه يصارع أمواج البحر ولا يحاول إنقاذه، ومحنة اللغة العربية ظاهرة يتصاعد دخانها أمام أعيننا منذ سنوات طويلة حتى وصلت الأحوال بها إلى درجة توشك فيها أن تصبح غريبة بيننا). و سعيا منا إلى إنقاذ اللغة العربية و المساهمة و بلبنة بسيطة في مزيد إشعاع هذه اللغة الجميلة و إيلاؤها الأهمية التي تستحقها بوصفها تمثل هويتنا الوطنية و رصيدنا الحضاري حاضرا و مستقبلا ، سنسعى – قدر المستطاع – إلى إبراز : 1 – الظروف التاريخية لتقدم اللغة و الخط العربي و تطورهما وانتشارهما ؟ 2 – خصائص اللغة و الخط العربي و مدى تميزهما عن بقية لغات العالم ؟ 3 – المخاطر المحدقة باللغة العربية سواء أكان ذلك من قبل ﴿ العرب ) أنفسهم أو من قبل أعداء اللغة العربية و المتربصين بها ؟. و نختم هذا الباب بالحديث عن البدائل التي يطرحها أعداء اللغة العربية و مدى تفاهة ما يطرحون ؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تسهل علينا كشف النقاب عن : 4 – كيفية النهوض باللغة العربية و مزيد نشرها و تطويرها ... ؟ و قد ختمنا بحثنا بتوجيه التماسا إلى المشرفين على وسائل إعلامنا و إلى المهاجرين من أبنائنا باحترام لغتنا الأم لأن في احترام لغتنا هو احترام لهويتنا و كينونتنا الحضارية. الباب الأول الظروف التاريخية لتطور اللغة العربية و انتشارها لقد أحب العرب القدامى ، قبل مجيء الإسلام ، لغتهم و تباروا في إتقانها و تجويدها واستعملوها في حلهم و ترحالهم، و في خطبهم و أشعارهم ... و شهدت منطقة الجزيرة العربية أسواقا أدبية عديدة من أشهرها : عكاظ و مجنة و ذو المجاز و غيرها .. و كان عكاظ أشهرها جميعا، فكانت تنتقى فيه القصائد العصماء التي اشتهرت باسم ﴿﴿ المعلقات )﴾ لتعليقها عند الكعبة بعد تمحيصها و خضوعها لإشراف و نقد دقيق وضعت نظمه قريش . و بعد مجيء الإسلام ترقت بلاغة العرب بسبب نزول القرآن ﴿بلسان عربي مبين ﴾. فأصبح كلام المسلمين من العرب أعلى طبقة في البلاغة و أذواقها من كلام أهل الجاهلية في نثرهم و نظمهم ، فنجد شعر حسان بن ثابت و عمر بن أبي ربيعة و الحطيئة و جرير و الفرزدق ... ثم كلام الشعراء في الدولة الأموية و صدر الدولة العباسية ارفع طبقة في البلاغة من شعر النابغة و عنترة وابن كلثوم، و زهير و علقمة و طرفة و من كلام أهل الجاهلية، لأن هؤلاء قد سمعوا و حفظوا القرآن "وهو من خلق الله الواحد و إبداعه المتفرد" و الذي عجز الجن و الإنس عن الإتيان بمثله ، فنشأت على أساليبه نفوسهم ،فنهضت طباعهم وارتقت ملكاتهم في البلاغة عن ملكات من قبلهم من أهل الجاهلية. و لقد انطلق آباؤنا المسلمون من الجزيرة العربية زاحفين إلى أقاصي الأرض ، متجاوزين الآفاق البعيدة التي لم يحلموا بالوصول إليها من قبل ، ليؤدوا الأمانة الكبرى التي اختارهم الله لها دون غيرهم من سائر الأمم، و حمل رسالة الإسلام ونواميسه الفطرية الأزلية الخالدة إلى كل شعوب الدنيا . و قد كانوا في الوقت نفسه حملة للغة العربية، لغة الإسلام . فبها وحدها يستطيعون نقل تعاليم الإسلام الحقيقية و آياته البينات إلى الآخرين،و بها وحدها يستطيع المسلم الجديد أن يكون مسلما حقيقيا ، مستوعبا ومستجيبا لكل أوامر الله و نواهيه في القرآن، ألم يقل عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ﴿ تعلموا اللغة العربية فإنها من دينكم ﴾. و يقول أبو إسحاق ألشاطبي ﴿﴿ في الموافقات﴾) : ﴿إن هذه الشريعة المباركة عربية فمن أراد تفهمها فمن وجهة لسان العرب و لا سبيل إلى تطلب فهمها من غير هذه الجهة﴾. فالدين الإسلامي لم يكن مجرد عقيدة و تشريع و مبادئ يعتنقها المسلم فحسب، بل هو معجزة فنية ، لغوية و فكرية، معنى و مبنى، بعث الله بها إلى الأرض لتصغي إليها قلوب تحجرت فتلين ، و تتعلق بها عيون جفت فيها المشاعر فتتفجر بالدموع ، و عقول تراكم فوقها غبار القرون ، فانجلت و تجددت و اهتدت بنور الله وهي تستيقظ على هذا الصوت الرباني الذي جاء يتحداها فيما تحدت به من قبل كل البشر : البيان و البلاغة ، - معنى و مبنى - و بذلك ارتكز المسلمون الأوائل الأكثر تعبيرا عن حقيقة الإسلام و مراميه ، على ازدواجية الدعوة لدى الشعوب المفتوحة : دعوة القلوب إلى الإيمان و الألسنة إلى التعريب . فدخل الناس في دين الله، و الألسنة في لغة القرآن أفواجا ، فصنعوا حضارة لا تزال معالمها إلى اليوم شاهدة عليهم . و لقد مر الحرف العربي وصولا إلى ما هو عليه بمراحل تحسينية عديدة ،عبر سنواته الطوال ، بدءا بالحرف غير المنقط ، و قد كان يقرأ غير منقط و غير مشكول دون خطإ حتى من الصبية لأنهم رضعوا الكلام الصافي من المنهل الذي نهل منه آباؤهم فجاء كلامهم فصيحا. فلما جاء الإسلام و أنار الدنيا بتعاليمه ، دخل الأعاجم فيه و اختلطوا بالعرب و تعلموا لغتهم ليفهموا تعاليم الإسلام و يحملوا مع إخوانهم أمانته ، فظهرت حينها أخطاء القراءة و الكلام ، فاجتهد أبو الأسود الدؤلي لمعالجة الموقف، فقام بوضع أول علامات لشكل اللغة العربية حيث طبقت لأول مرة على القرآن الكريم . ثم جاء الخليل بن أحمد الفراهيدي مكتشف بحور الشعر العروضية و واضعها ، فزاد اللغة تحسينا و تجميلا آخر ، حيث طور حركات أبي الأسود الدؤلي بحركات أكمل وضوحا ، وهي نفس الحركات التي نستعملها اليوم . و في زمن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان عهد إلى نصر بن عاصم و يحيى بن يعمر إيجاد حل للتفريق بين الحروف المتشابهة كالباء والتاء و الجيم و الحاء و الخاء ... حيث قاما بوضع النقاط على الحروف المتشابهة ، و كانت هذه المرحلة أتم المراحل في تزيين الحروف العربية مما جعلها أكثر بهاء و بريقا و حماية للألسن من الخطإ . و لقد تواصل اهتمام المسلمين بلغة القرآن الكريم ، و كانوا يعتزون بها و يفخرون ، حتى راحوا يذبون عنها كل شائبة ، و يبينون خصائصها ، و جمالها ... فازدهرت العلوم اللغوية على أيديهم أيما ازدهار ، و برزت في سماء العلم أسماء رجال أجلاء عرفهم العالم و شهد لهم العلماء من جميع أصقاعه نذكر منهم بالإضافة إلى أبي الأسود الدؤلي و الخليل بن أحمد : سيبويه ، و أبي علي الفارسي ، وابن جني و ابن فارس ، و الثعالبي و السيوطي و الأصمعي و الجرجاني و قوافل أخرى ممن خلفوا لنا تراثا تفوق فخامته ما أتى به غيرهم و استوفت اللغة جميع جوانبها النحوية و الصرفية و الصوتية و المعجمية و البلاغية . و لقد تملك كل هؤلاء حب اللغة الفصحى، و أخلصوا للغة القرآن ، و ظلوا على ذلك حتى استوت علوم اللغة العربية و اكتملت فروعها . و عندئذ أضافوا استطردات مبسوطة وافتراضات كثيرة ، و طرقوا مسائل وهمية ، تخيلوها و كدوا أذهانهم في حلها . كما برع الخطاطون المسلمون في رسم اللغة العربية ، و أبدعوا خطوطا جديدة زينتها بحلة قشيبة لا تزال تحتفظ بها و تنبض جمالا يأخذ بالألباب ، ذلك لأن الخط الجميل يزيد الحق وضوحا كما يؤكد علي بن أبي طالب كرم الله وجهه . إن جمالية الحرف العربي ، و مرونته الساحرة و رشاقته الخاصة بما له من أشكال متعددة ، متصلة و منفصلة و لا سيما إمكانية كتابة عبارة واحدة بأشكال عديدة ، و بصياغات جمالية متنوعة ، فتح الباب أمام فناني الحرف للتنافس في تجميله و تزويقه و تطويره جماليا باستمرار ، و لقد أولاه الدين الإسلامي الحنيف كل اهتمام ، من ذلك أن العديد من فواتح السور القرآنية تبتدئ ببعض الحروف : ألم ، ألمر، كهيعص، ق ، طه ، يس، ن ... ، و هل من تكريم للحرف أعظم من القسم به ، كما في سورة ﴿﴿ القلم )) : ﴿ ن ، و القلم و ما يسطرون) فالحرف يدل على ما في اللفظ ، و ما في اللفظ يدل على ما في الفكر ، و ما في الفكر يدل على الروح و الروح تدل على عظمة الله خالقها و العالم بأسرارها ، من هنا جاء الإهتمام بتجميل الحرف تفصيلا و جملة ، فظهر في العمارة ، و كأنه اللآلئ، مزينا المساجد و المآذن و القصور من الخارج و الداخل بآيات الذكر الحكيم ، و العبارات المأثورة من أقوال الرسول صلى الله عليه و سلم و الحكم و غيرها . لقد زين الرسامون المسلمون المساجد و المنازل و القصور في مختلف البلاد الإسلامية و جملوا الأثاث و السجاد و الملابس و المباني على اختلاف أنواعها و الآلات كلها حتى المدافع و الكتب بتلك الحروف النورانية التي تكون مع بعضها البعض كتاب الله الخالد و الأزلي و المعجز ، و هناك من اللوحات البديعة التي لا تزال محفوظة في المتاحف و البيوت . لقد انطلق المبدعون و جالوا و تفننوا في صياغة الحرف العربي و تركيبه ، في أنحاء العالم الإسلامي ، فدرس الفنان تراكيب مختلفة ، مراعيا العلاقات التكوينية في دراسة الفراغات ، فكان همه استمرارية ابتكار التكوينات التي تتآلف من انسجام الحروف و كأنها أصوات موسيقية مرئية ، تسمع بعينك و بروحك صوت اللآلئ المرصوفة ، حاملة الألفاظ القرآنية المباركة ، و كانت غاية الفنان أن يبدع في تراكيب و تآليف يغور فيها الناظر ، و يرتع مكحلا عينيه بجمالها . و هذا الإهتمام بالحرف العربي نتجت عنه أنواع كثيرة من الخطوط ، اللينة و المزواة ، و أصبح الخط فنا جماليا ، و ارتبط كليا بالحضارة الإسلامية ، و ساد على باقي الفنون، و قد اشتهر من الخطوط : النسخ و الرقعة و الكوفي و الثلث و الفارسي و الديواني و تفرعت من هذه الخطوط خطوط كثيرة ، لقيت من الجميع الرعاية ، فأقدموا على دراستها و خاصة المسئولون من حكام و سلاطين و أمراء ، قال أحد الشعراء : يخطط مولانا خطوط ابن مقلة فينظمها نظم اللآلئ في السلك فهذا عليه بهجة الخط وحدها و ذاك عليه بهجة الخط و الملك و الوزير ابن مقلة السالف ذكره في بيت الشعر هو من وضع الأسس و الأنظمة الهندسية للحرف ، ثم ابن البواب، ثم ياقوت المستعصي الذي أصبح قبلة الكتاب في عصره ، ثم ابن الصايغ ثم شفيق ، و حقي و ماجد الزهدي و حسين حسني ، و عبد العزيز الرفاعي ، و حامد الآمدي و سيد إبراهيم و هاشم البغدادي و غيرهم . و لقد انفرد بأسلوب التعليق الفارسي ، مير علي التبريزي ، و مير علي الهروي ، و مالك الديلمي و مير عماد الحسني و أسعد يساري و غيرهم . لقد بذل هؤلاء الرسامون جهودا مضنية للارتقاء بالحرف العربي و ساهموا بقسط لا يستهان به في تحقيق مجد اللغة العربية و الخط العربي حتى أن ﴿ بيكاسو ) عبر عن إعجابه بالخط العربي قائلا : " إن أقصى نقطة أردت الوصول إليها في فن التصوير وجدت الخط لعربي قد سبقني إليها منذ أمد بعيد ". كما نسب للإمام علي كرم الله وجهه قوله: " الخط مخفي في تعليم الأستاذ، و قوامه على كثرة ألمشق، و دوامه على دين الإسلام ".فهو بحر واسع إلا أن معرفة أسراره وحدها دون التمرن المستمر على ألمشق لا تكفي ! و ماذا نحن فاعلون – حكومات و شعوب و مفكرون و مبدعون – للحفاظ على رمز هويتنا الحضارية و تنميتها ؟؟ الباب الثاني خصائص اللغة العربية و مميزاتها تمثل اللغة العربية إحدى اللغات العريقة ذات الماضي الأصيل ، و التاريخ الحافل ، وهي لغة ثرية بأبجديتها الوافية التي تضم من الحروف ما لا يوجد كلا أو بعضا في لغات أخرى كالثاء و الحاء و الذال و الضاء و العين و الغين و غيرها ، فضلا عن حرف الضاد الذي تنفرد به دون سائر لغات العالم . و القارئ للعربية يجد العجائب و الغرائب في أصواتها و حروفها و إملائها و بلاغتها ، في شعرها و نثرها ، فشعرها عقد منظوم تتلألأ منه أنغام الماضي و الحاضر و المستقبل ، بألحان مختلفة يلبي جميع الأهواء ، و نثرها جوهر منثور يزخر بألوان زاهية من البيان الساحر الأخاذ الذي لا يشبع نهم المشتاق و يشفي غليل الطراق ، وهي تفي بالقليل عن الكثير ، و تمج الغث و تعج بالسمين ، تترقرق من أفواهنا كماء الغدير تريح النفس بعذوبتها و تهدر كالبحر الهائج فتثير النفس و تشمخ بها نحو القمم ، و قديما قيل :" كلم اللسان أنكى من كلم السنان " فكم من شخص لقي حتفه بكلمة و آخر نجا من الموت بكلمة ، و كم كلمة رفعت صاحبها و أخرى أذلته . و لقد مثلت اللغة العربية و لا تزال هوية الأمة الإسلامية ، و لسانها الناطق ، و قلبها النابض و عقلها الواعي الذي يحوي تراثها و ثقافتها و مجدها و رمز وحدتها ، و منذ مجيء الإسلام استطاعت اللغة العربية أن تؤدي رسالتها كاملة ، فتنشر الدين الإسلامي في جميع الآفاق ، و أن تستوعب بوفاء و أمانة علوم الأمم الأخرى و ثقافتهم ،و هاهي اليوم تواصل رسالتها في الحفاظ على وحدة مجتمعاتنا الإسلامية بغير كلل أو إعياء . يقول المستشرق الألماني " بروكلمان " : " بفضل القرآن بلغت العربية من الإتساع مدى لا تكاد تعرفه أية لغة أخرى من لغات الدنيا. و المسلمون جميعا مؤمنون، بأن اللغة العربية هي وحدها اللسان الذي أحل لهم أن يستعملوه في صلواتهم، و بهذا اكتسبت العربية من زمان طويل مكانة رفيعة فاقت جميع لغات الدنيا الأخرى". لقد نص الله تعالى في كتابه الكريم على أنه أنزل " قرآنا عربيا " و " بلسان عربي مبين " ملقيا بذلك المسؤولية في حمل الرسالة المحمدية إلى البشر على كواهل هذه اللغة الشريفة ، لأن الله قد شرفها بأن اختارها ، لأول مرة و لآخر مرة ، ليخاطب بها بني آدم عبر كتاب معجز حوى نصوصا حرفية من كلامه المعجز عز و جل ، توجه بها إلى الناس كافة معلنا لهم دينه الذي ارتضاه لهم ، و واضعا لدنياهم و لآخرتهم القواعد و الأسس الفطرية التي تصلح أن يستقيموا عليها و إلى الأبد . فهذه ميزة تنفرد بها اللغة العربية ، و تتربع على عرش اللغات جميعا لأنها لغة القرآن الكريم الذي نزل به الروح الأمين على سيد الخلق ، خاتم الأنبياء و المرسلين محمد صلى الله عليه و سلم : " و إنه لتنزيل رب العالمين ، نزل به الروح الأمين ، على قلبك لتكون من المنذرين ، بلسان عربي مبين " ( سورة الشعراء الآيات 192 – 195 ) . و هذا التكريم الذي خص الله به اللغة العربية جعل منها لغة عالمية لأن محمدا صلى الله عليه و سلم أرسل إلى الناس كافة ، كما جعل منها لغة باقية بما جاء به من تشريع أزلي يتماشى و فطرة الإنسان و خلقته صالح لكل زمان و مكان ،و ارتقى بها بما اشتمل عليه من عقيدة سليمة ، و مثل سامية ، و قيم رفيعة سامقة تتمثل في تحرير العقول من السفه و من كل المعوقات الفكرية التي قد تحجب عنها حقائق الوجود ، و تحرير القلوب من العمى و الدروشة ، و في الدعوة إلى الإيثار ، و التضحية ، و الحب و التسامح ، و الرحمة ،و الحق و العدل ، و التنفير من الرذيلة في أي مكان و أي زمان . و كل هذا يجعل من اللغة العربية ضرورة حتمية لفهم القرآن و مدلولاته الدقيقة و في ذلك يقول الشافعي : ( فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده حتى يشهد به بأن لا إلاه إلا الله و أن محمدا رسول الله و يتلو به كتاب الله و ينطق بالذكر فيما افترض عليه من التكبير و التسبيح و التشهد و غير ذلك . و مهما ازداد من العلم باللسان الذي جعله الله لسان من ختم به نبوته و أنزل به آخر كتابه كان خيرا له ). و يضيف ابن تيمية رحمه الله : ( فإن نفس اللغة العربية من الدين و معرفتها فرض وواجب فإن كتاب الله و السنة فرض و لا يفهم إلا بفهم اللغة العربية ، و ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب). و يتابعه في ذلك أبو منصور الثعالبي في مقدمة كتابه : ( فقه اللغة و أسرار العربية ): " من أحب الله أحب رسوله المصطفى صلى الله عليه و سلم ، و من أحب النبي العربي أحب العرب ، و من أحب العرب أحب اللغة العربية التي تنزل بها أفضل الكتب على أفضل العجم و العرب ". و قبل هؤلاء جميعا أشار عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى العلاقة الوثيقة و المتينة بين الدين الإسلامي الذي جعله الله سبب صلاح بني آدم دنيا و آخرة و بين اللغة العربية لغة أهل الجنة فقال: ( تعلموا العربية فإنها من دينكم ) . فأي مسلم هذا الذي يتنكر للغة العربية لغة القرآن و لغة الرسول الأكرم صلى الله عليه و سلم !؟ إن اللغة العربية خصبة باشتقاقها و سهولته ، ثرية بكثرة ألفاظها و تصريفها ، مما يكسبها مرونة خاصة ، و يمنحها عطاء متجددا ، و يجعلها أقدر اللغات على التعبير في كافة العلوم و الفنون و مختلف المجالات الحياتية ، يقول المستشرق " جوبيوم " في مقدمة كتابه (تراث الإسلام ): "إن اللغة العربية لغة عبقرية لا تدانيها لغة في مرونتها و اشتقاقها و خاصة ما يتصل بالفعل و الإسم . فمثلا مادة الفعل "دار" يشتق منها : أدار، و دوّر، و تدوّر،و تداور، و داور ، واستدار ، و دوْر ، و دوران و دوار، و داره و دوّار، و مدار و مدارة ،و مدير،وهكذا .." كما أن للعربية قدرة على التجريد و النزوع إلى الكلية و الشمول حيث تتلاقى كلماتها في الغالب على أصول تجمع بينها و تتجلى فيها ، فعلى سبيل المثال نجد الكلمات ذات الأصول من السين و اللام و الميم تلتقي عند أصل يجمع بينها وهو التعري عن الآفات الظاهرة و الباطنة ، فيتمثل معنى التعري عن الآفات الظاهرة في قوله تعالى في سورة البقرة آية 71 : (إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض و لا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها ). فكلمة مسلمة تشير إلى أن الله قد سلم البقرة المطلوبة من العيوب أو سلمها أهلها من العمل. و يتمثل معنى التعري عن الآفات الباطنة في قوله تعالى في سورة الشعراء الآية 88 و 89 : ( يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم). فالقلب السليم هو الخالي من الدغل واستبطان الحقد و العداوة أو السالم من الدنس و الشرك بالله أو السالم من البدعة المطمئن إلى سنن الله . و لقد صور لنا القرآن الكريم ما يعتري نفوس البشر و حالاتهم في المواقف المختلفة ، أدق تصوير ، بكلمات دقيقة تحمل كل منها معناها حتى و لو كان الإختلاف بين الكلمات في حرف واحد كما في كلمتي اهطاع و اهراع و قد ورد في لسان العرب قولهم : " لا يقال للإسراع في السير إهطاع إلا إذا كان معه خوف ، و لا إهراع إلا إذا كان معه رعدة . و يلاحظ أن هذا الإختلاف في المعنى في قوله تعالى : ( خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر ، مهطعين إلى ألداع يقول الكافرون هذا يوم عسير) سورة القمر آية 7- 8. مقارنة بقوله تعالى : (ثم إن مرجعهم لا إلى الجحيم . إنهم ألفوا آباءهم ضالين، فهم على آثارهم يهرعون، و لقد ضل قبلهم أكثر الأولين ) سورة الصافات الآيات 68 -71. هذا بالإضافة إلى أنها اللغة ذات الصوت الواضح المميز ، و ذلك راجع إلى دقة مخارج حروفها ،و إلى التأكيد على إظهار هذه الحروف ، و لا سيما ما يحتاج منها في نطقه إلى ضغط أو نبرة معينة كحروف القلقلة ، و الحروف التي تخرج من بين الثنايا ، و غيرها بعكس ما هو ملحوظ في بعض اللغات الأخرى التي لا تحفل بذلك ، فلا يكاد الحرف فيها يبين ، أو تكثر بكلماتها الحروف الساكتة ، أو التي يتلاشى بعضها في بعض أثناء النطق . هذه الخصوصيات التي تتميز بها اللغة العربية يجعلها تقبل عن جدارة الإعجاز البياني و ضروبه مما لا يتوافر في الكثير من اللغات الأخرى لكون ذلك طبيعيا فيها بفضل جزالتها و دقة أوضاعها و إحكام نظمها واجتماعها على تأليف صوتي يكون موسيقيا محضا في التركيب و التناسب بين أجراس الحروف و الملائمة بين طبيعة المعنى مما يجعلها قريبة من نفس كل إنسان لاتفاقها مع فطرته . و قد أدى كل ذلك إلى وجود كلمات ليس لها مقابل في اللغات الأخرى من ناحية الدلالة مثل : الحق – الرحمة – الرحمان – العالمين ... يقول الدكتور محمد جمال الدين الأفندي في الفصل الرابع من كتابه : ( الإسلام و قوانين الوجود ) : " و لا أظن أن هناك لغة تستطيع أن تعبر عن كثير من ألفاظ القرآن ، أو تستوعب معانيه غير العربية .. فقد كنت ضمن لجنة لترجمة معاني القرآن، - و لا أقول ألفاظ القرآن أو القرآن نفسه فهذا أمر مستحيل – و وقفنا طويلا أمام بعض الكلمات لا نجد لها مقابلا مثل كلمة " الرحمان" و كلمة " الله " و حتى كلمة "رب " ليس معناها DOG المستعملة عادة في الترجمات و كلمة " العالمين " ليس معناها الكون و "عباد" ليست بمعنى عبيد و لا حتى خدم ". إن هذا الإعجاز البياني يجعل من طواعية العربية الفصحى و مرونتها و قدرتها على مطالب النفس الإنسانية بمشاعرها و انفعالاتها لا تدانى ، و اللغة العربية مع هذا تمتلك من مقومات الجمال ما تستحق به عن جدارة أن يطلق عليها لغة الجمال ، يتجلى ذلك فيما حوته من روائع الكتاب و السنة ، و فيما زخرت به من حكم و أمثال و في خطها العربي بأنواعه المختلفة ( النسخ ، و الرقعة ، و الثلث و الفارسي ، والديواني .. ) و غيرها مما لا تضارعها فيه لغة أخرى ، و في موسيقاها النابضة المعبرة الشجية الملونة التي تجد مجالها فسيحا في التنوين ، و الإدغام و المد ، و الإمالة ، و السجع ، و غيره ، و في ألوان البديع ، و في بعض بحور الشعر كالمتقارب و المتدارك ، و الهزج ، و الرجز ، و مجزوء بعض البحور كالوافر و الكامل و غيرهما . إن هذه الخصوصيات الكثيرة التي تميزت بها اللغة العربية و جعلتها تتربع على عرش اللغات جميعا بما احتوت عليه من ضروب البيان و البلاغة و الإعجاز و سهولة الإشتقاق منها ، و قدرتها العجيبة على التعبير عن كل خلجات النفس البشرية في أفراحها ، و أتراحها ، في هزلها و جدها ، في علومها و أدبها ، مما رشحها للتعبير عن كلمات الله التي تحدت الإنس و الجن أن يأتوا بمثلها فعجزوا : ( و إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ، فإن لم تفعلوا و لن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس و الحجارة أعدت للكافرين) سورة البقرة الآيات 23- 24 . كل هذا التميز لم يشفع لها من التراجع و الإنحدار إلى مستوى لم تعد تحسد عليه ، و أصبحت هذه اللغة الجميلة الرائعة تعيش محنة تذيب قلوب العاشقين لها حسرة و كمدا، أمام ما يتهددها من أخطار و مكائد تحاك لها من قبل الناطقين بها و غير الناطقين سواء وعوا بذلك أو لم يعوا. الباب الثالث المخاطر المحدقة باللغة العربية في العصر الحديث ؟ صلة وثيقة و متينة ربطت اللغة العربية الفصحى بالدين الإسلامي الحنيف،منذ نزول القرآن على النبي محمد صلى الله عليه و سلم ، مما حدا بالمسلمين إلى اعتبار اللغة العربية من الدين و أس من أسسه " و إنه لتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربي مبين " (سورة الشعراء الآيات 192 - 195) . وقد كان النبي محمد صلى الله عليه و سلم يفخر و يفرح كل الفرح بالإفصاح و يأبى اللحن و يقول : "و إن من البيان لسحرا "، مما نتج عنه اهتمام علماء المسلمين بها و كانوا يفخرون بها و يعتزون، كما راحوا يذبون عنها كل شائبة، و يفردون لها المصنفات العديدة التي تبين خصائصها و تميزها، و جمالها... فازدهرت العلوم اللغوية على أيديهم أيما ازدهار و نشروها حيثما حلوا وارتحلوا...، و منذ بدايات العصر الحديث ،أخذت الرابطة الإسلامية تتراجع كشكل من أشكال ضمانات البناء السياسي القائم و تحصينه ، أمام ضربات الإستعمار الغربي الموجعة وتقطيعه لأجزاء عديدة من الخلافة العثمانية و سقوط البلاد العربية الواحدة تلو الأخرى في براثن الإستعمار الغربي المقيت بدءا بالجزائر عام 1830م و تونس عام 1881م و مصر عام 1882م ... بالإضافة إلى اشتداد السياسة الإستبدادية التي سلكها السلاطين العثمانيون المتأخرون ، كل هذه العوامل أدت إلى درجة قصوى من التخلف و الإنحطاط و الجهل ، فلم يعد هناك علماء و مفكرون إلا قليلون ، و قلت الرغبة في البحث و التنقيب عن الحقائق في مختلف الميادين العلمية و اللغوية و الحضارية ، لأن الدولة لا تشجعها ، فليس إلا ترديد بعض الكتب الفقهية و النحوية و الصرفية و نحوها ، حتى قال السائح الفرنسي "ميسيو فولني" الذي زار مصر و بلاد المشرق العربي و خاصة الشام : (إن الجهل في هذه البلاد عام شامل ، مثلها في ذلك مثل سائر البلاد التركية ، يشمل الجهل كل طبقاتها ، و يتجلى في كل جوانبها الثقافية ، من أدب و فن ...) . هذا التراجع الحضاري نجم عنه ركود في كل الميادين العلمية و اللغوية، فبقدر ما كان المد الحضاري الإسلامي يتراجع كان اللسان العربي يتقلص، لأن الإسلام هو الذي حافظ عليها، و صانها، و رسم لها الحدود النهائية التي استمرت عليها حتى الآن. إن هذا التهلهل الحضاري الذي أصاب الناطقين بالضاد استغله الجاهليون و الوثنيون الجدد ليطعنوا في لغة القرآن و يرمونها بالقصور حينا ، و بالجمود أحيانا أخرى ، و بذلوا و يبذلون جهودا جبارة لمحاربة الفصحى ، و تحريك الأقلام المأجورة ضدها . لقد أدرك أعداء أمتنا الإرتباط الوثيق بين اللغة العربية و الدين الإسلامي و بين الدين الإسلامي و مجد و وحدة المسلمين ، فعملوا جاهدين على ترويج الدعاوي التي تتهم اللغة العربية الفصحى بالعقم و البداوة و ألقوا عليها مسؤولية تخلفنا رافعين شعار " من أراد التقدم و الرقي فلا يتكلم العربية "زاعمين بعدم استجابة الفصحى للحضارة الحديثة و أنها لا تستوعبها وهي عسيرة على من يتعلمها !؟ إن محاربة اللغة العربية الفصحى قد تشكلت في أشكال مختلفة وارتدت الأقنعة المتنوعة ، و تلونت بحسب الظرف الزماني و المكاني لأعداء أمتنا و لغتنا ، و إن اتفقت جميعها على استبدال اللغة العربية الفصحى بلغات المستعمرين أو باللهجات الدارجة للدول الناطقة بالضاد أو كتابة العربية بالحروف اللاتينية لمسخها و القضاء على صحة النطق بها ، أو تغيير الأساليب البيانية و البلاغية للغة الفصحى ... فقد شنت فرنسا منذ احتلالها للجزائر يوم 5 جويلية 1830م حربا لا هوادة فيها ضد اللغة العربية ، فأغلقت المدارس التي كانت مزدهرة قبل الإحتلال ، ثم اعتبرت اللغة العربية أجنبية حرم استعمالها في مصالح الحكومة ، و كانت فرنسا تعاقب كل من ينشئ مدرسة لتعليم اللغة العربية . أما المدارس التي أنشأها الفرنسيون فكانت كلها مدارس فرنسية ، و كانت الجامعة الجزائرية التي أنشئت عام 1887جامعة فرنسية أيضا ، و لا يدخلها من الجزائريين إلا من تكون له حظوة لدى المحتلين . كما بذل الفرنسيون جهودا كبيرة و قاموا بأعمال مستمرة لتنصير بعض أبناء القرى الجزائرية ، و هدم المساجد و تحويلها إلى كنائس . و في يوم 8 مارس 1938م أصدر ميسيو " شوطان " الفرنسي قرارا يقضي باعتبار اللغة العربية لغة أجنبية في الجزائر ،و كان القرار – في حقيقته – امتدادا للقانون السابق صدوره في 24 ديسمبر 1904م ، و الذي يمنع تعليم العربية في جميع مدارس الجزائر ... و في مصر دعا اللورد " دفرين " البريطاني سنة 1883م إلى محاربة العربية و الإهتمام باللهجات العامية ، و سار على نفس النهج " ولييم ديلكوكس " سنة 1892م ، و كان " ديلكوكس " هذا يعمل مهندسا للري في مصر ، فقام بترجمة الإنجيل إلى ما أسماه باللغة المصرية . و تبعه القاضي الإنكليزي "ولمور" الذي عاش في مصر و ألف سنة 1902م كتابا باسم ( لغة القاهرة ) واقترح فيه قواعد نصح باتخاذها للعلم و الأدب ، كما اقترح كتابتها بالحروف اللاتينية . و كان الهدف من بذل كل هذه المجهودات هو القضاء على لغة القرآن ، لغة الإسلام الوحيدة و تحقيق حلم " ولييم جيفور دبلجراف " الذي قال : ( متى توارى القرآن و مدينة مكة عن بلاد العرب يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في قبول الحضارة المسيحية التي لم يبعده عنها إلا محمد و كتابه ) !؟ و على نفس هذا النسق سارت بقية الدول الإستعمارية الأخرى في مختلف البلاد العربية و الإسلامية ، ساعية جهدها إلى قبر اللغة العربية و من ثم قبر الهوية الإسلامية لشعوبنا . و واصل هذه المجهودات الإستعمارية الجبارة في وأد اللغة العربية مجموعة هامة من حلفاء الإستعمار و الذين باعوا أنفسهم للشيطان ضد مصالح أمتهم العربية و الإسلامية و على رأس هؤلاء و أخطرهم يأتي سلامة موسى في كتابه ( البلاغة العصرية و اللغة العربية ) فقد تناول هذا الأخير في كتابه مخطط الهجوم على اللغة العربية و انتقاصها و الدعوة إلى العامية لتكون مصدر البلاغة العصرية زاعما أن الفصحى لا تستطيع التعبير عما تستطيع العامية أن تعبر عنه . ؟! فدعا إلى الأسلوب التلغرافي و مهاجمة الأسلوب البياني ، و إلغاء الحرم و العرض من اللغة بدعوى أنه تراث لغوي قديم يحمل عقدة اجتماعية يجب أن نكافحها ، كما دعا إلى الكتابة بالحروف اللاتينية و إدخال الكلمات الأعجمية دون قيد ، و هو بهذه الدعوة أراد في الحقيقة أن يكون الأسلوب خاليا من الروعة و البراعة و الجمال و الموسيقى التي تميز اللغة العربية ، فلا يمتاز عن أسلوب الخطاب المعتاد المتداول في الشؤون اليومية ، متعمدا تجاهل أن الأديب شاعرا كان أو كاتبا ، إنما يفتن القلوب و يسحر العقول بألفاظه . و ليس اللفظ رمزا يشير إلى فكرة و معنى فحسب، بل هو مجموعة من صور و مشاعر أنتجتها التجربة الإنسانية و بثها اللفظ ، فزادت خصبا و حيوية ، فالألفاظ تصدر عن الأديب مشحونة بعواطفه و تجاربه و تحمل مكنونه الذي اختزنه على مر العصور في خصائصها و سماتها ، و الأسلوب التلغرافي الذي دعا إليه سلامة موسى لا يحقق شيئا من ذلك لأنه قائم على النفع وحده لا على الجمال . و لو أن الأسلوب لا قيمة له إلا أن يكون تلغرافيا يسفر بين الناس بالمنفعة وحدها ما حرص الأدباء على تجويد أساليبهم في اللغات كلها و لاستوت العبقرية و التفاهة ، و القدرة و العجز ، بل هي مؤامرة على اللغة العربية لاجتثاثها من النفوس و إرباك عشاقها بتفاهات ما كان ينبغي أن تصدر عن الدكتور سلامة موسى الذي يدعي في العلم معرفة ؟! و يبقى أكبر دليل على كذب هذا الرجل، و وهمه و خبث طويته، أنه كان يدعو إلى العامية مستخدما في ذلك الفصحى، يدعو إلى العامية وهو يتكلم الفصحى ... إنه لم يستطع أن يتخلص من لغة أمته الفصحى فكيف تعجز الفصحى عن التعبير عما زعم !!؟ و قد واصل مجهوده سعيد عقل اللبناني داعيا إلى استخدام اللهجة العامية و كتابتها بالحروف اللاتينية قائلا : "من أراد لغة القرآن فليذهب إلى أرض القرآن " . و رصد جوائز عديدة لمن يكتب ديوانا للشعر باللغة العامية ، و كتب ديوان ( يارا) بلغة عربية في أحرف لاتينية وهو (رجل حراس الأرز) الذين جعلوا شعارهم قتل الغرباء ( أي قتل المسلمين). و تقدم عبد العزيز فهمي عضو المجمع العلمي المصري سنة 1942م باقتراح يقضي باستبدال الحروف العربية بالحروف اللاتينية و شغل المجمع العلمي ببحث اقتراحه ثلاث سنوات. و لعل التاريخ لن ينسى مجرما لم يكتف بالدعوة إلى ذلك بل دخل بنفسه المدارس معلما الحروف الجديدة للمدرسين و الطلاب...؟! إنه ذلك اللقيط الذي حارب المسلمين و أسقط الخلافة الإسلامية ( كمال أتاتورك ). و في سنة 1973م انعقد في لبنان مؤتمر ضم عددا من أساتذة الجامعات في أمريكا و أوروبا و البلاد العربية و بحث فيه اقتراح فرنسي قدمه "جاك بيول " و "أندريه رومان "و " رولان مانييه " باستعمال اللهجات العامية الدارجة و ذلك بحجة أن الإستعمال هو السيد الذي يفرض نفسه ! و تنوعت دعاوي هؤلاء الإمعة و تبريراتهم ، فمنهم من حاول إقناع الجماهير بأن اصطناع اللغة العامية في الأدب و الصحافة إنما اعتراف بحق الجماهير في العلم و التأثير فيه ، و منهم من زعم أن للعامية قدرة على الوفاء بحاجات البشرية و قدرة على التعبير عن مطالب الحياة العصرية ، و أنها وسيلة ميسرة لتثقيف الجماهير الشعبية و تقريب الثقافة منهم ...إلخ . إن أية دعوة تحاول النيل من اللغة العربية في قليل أو كثير ، مهما لبست من أقنعة ، و زخرفت من قول إنما هي دعوة مسمومة مفضوحة يريد بها أصحابها أن يطفئوا نور الله ، و يخربوا هوية الأمة الإسلامية حتى يسهل لهم بعد ذلك تذويبها و تركيعها لأطروحاتهم المعادية لمصالح امتنا . إن هذه الدعوات المشبوهة تريد أن تطمس شخصيتنا و تميزنا الحضاري ، و تسعى إلى دمجنا و صهرنا إلى حد الذوبان في " الآخر العدو" لتحيلنا في النهاية إلى أذناب ليس لهم حول و لا قوة . و لكن هيهات ... هيهات !! فاللغة العربية خالدة، لأنها لغة القرآن، و القرآن خالد ما دامت السماوات و الأرض ... يقول عز و جل: (( إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظن ) ) سورة الحجر الآية 9. إن اللهجة العامية التي يريدها أعداء امتنا بديلا عن اللغة العربية الفصحى تمثل ألفاظا مهلهلة من لهجات تختلف من بلد إلى آخر كما تختلف في البلد الواحد باختلاف مناطقه و أجيال أبنائه، وهي فقيرة كل الفقر في مفرداتها ، مضطربة في قواعدها و أساليبها حتى أن العربي يخاطب أخاه على لسان غير مبين فلا يكاد يفهمه ، كما أنها لا تقوى على الشؤون الدقيقة و روح الإنسانية ، لان الفكر إذا لم تسعفه وسيلة قوية و أداة مواتية في التعبير عنه خمدت جذوته و ضعف شأنه و حينئذ يضيق نطاقه . و هذا من شأنه أن يخمد الثقافة العربية الإسلامية و ينكص بها إلى الوراء . إن الدعوة إلى استعمال الدارجة و القائلة بتقريب الثقافة من الجمهور لهي دعوة كاذبة و ساذجة ، إذ الأحسن من ذلك هو الإرتقاء بذوق القارئ ، و لا ننسى أنه بنفس هذا المنطق يمكن أن يروج للفن الهابط و الذوق السمج و الأخلاق الهابطة بدعوى أنها من "إبداع "الجماهير ، يقول العقاد : (( اللغة العامية لغة الجهل و الجهلاء و ليست بلغة الشعبيين ، و لا من يحبون الخير للشعوب ، لأن الغني الجاهل يتكلم العامية و لا يقرأ اللغة الفصحى و لا يمتاز بفهمها على الفقراء )). أما الدعوة إلى كتابة العربية بالحروف اللاتينية ، فيعتبر مسخا لها و قضاء على صحة النطق بها. فعلى سبيل المثال يعبر بالحرف : D عن كل من حرفي الدال و الضاد مما يؤدي إلى الخلط بين حرفي الدال و الضاد و وضع كل منهما مكان الآخر . و كذلك الحال بالنسبة للتعبير عن حرفي العين و الهمزة بالحرف اللاتيني A. كما يعبر عن حرفي الهاء و الحاء بالحرف اللاتيني H ، و قس على ذلك العديد من الحروف الأخرى . لقد قامت فرنسا الإستعمارية برسم مشروع منفرد أطلق عليه مشروع الفرانكفونية يهدف إلى { فرنسة } كل دول إفريقيا و دول جنوبي شرق آسيا الفقيرة منها على الخصوص "فيتنام "مثلا ، و أوروبا الشرقية و بعض الدول الأمريكية انطلاقا من "كيبك "الكندية ، و هذا المشروع الفرانكفوني له عشرات الأنشطة و المؤسسات التي تخدمه . و يبقى الهدف الرئيسي لفرنسا الإستعمارية هو توطيد الفرنسية في المغرب العربي و شمال إفريقيا .. فماذا فعلنا نحن لمواجهة هذا الغزو الحضاري و حماية لغتنا من الإنحدار الرهيب الذي تعيشه لغتنا الوطنية حتى صارت غريبة بيننا ؟! إنه لشيء مخجل حقا أن نعلم أن كثيرا من الدول العربية تشارك في مؤتمرات القمم الفرانكفونية أو في إحدى المؤسسات الفرانكفونية (كتونس ، المغرب ، لبنان ...) مع العلم أن هذه الدول العربية ليست بدول فرانكفونية ،و إنما توجد بها أقلية فرانكفونية ، غالبا ما تكون من الطبقة الموسرة التي تسيطر على أغلب الوظائف العليا في الدولة . و نعود لنتساءل : ماذا يدفع هذه الدول إلى التهافت من أجل المشاركة في المؤسسات الفرانكفونية و الإصرار على الحديث بلغة من استعمرنا بالأمس القريب و أهلك حرثنا و نسلنا و يسعى جاهدا لقبر هويتنا العربية الإسلامية؟! إن الجواب يكمن في أن الفرانكفوني العربي – رمز التخلف و الإنبتات الحضاري – عنده عقدة المتخلفين ألا وهي عقدة الشعور بالنقص. فعندما يتكلم اللغة الفرنسية يحس بأنه ترقى إلى أعلى مستويات التقدم الفكري بينما ينظر إلى اللغة العربية كأنها لغة المتخلفين و رعاع الناس ، و الحقيقة الساطعة تفند هذه المزاعم ، فلقد مثلت اللغة العربية و لا تزال لغة التقدم و الحضارة باستطاعتها أن تستوعب كل ما تنتجه الحضارة البشرية في مختلف الفنون و العلوم ، و قد برهنت على ذلك عندما نقل المسلمون فلسفة و علوم اليونان و الرومان و الفرس و الهنود ، و حولت كل ذلك إلى ثقافة واحدة ، وهي الثقافة الإسلامية . لقد دخلت في الإسلام شعوب و شعوب ، و لو قدر لهذه الشعوب جميعا أن تمتلك اللغة العربية ألسنتها كما امتلك الإسلام قلوبها ، لما كانت هناك اليوم مشكلة تواجه لغتنا رمز هويتنا و فكرنا و وحدتنا ، أما و قد انقسم المسلمون و أصبح كل حزب بما لديهم فرحين .. و سيطرت على كثير من الشعوب الإسلامية حالة "اللامسؤولية " تجاه اللغة العربية التي أصبحت بفضل القرآن لغة إسلامية عالمية ، واستغنوا عن القرآن بشروحه المترجمة ، القاصرة لطبيعتها البشرية .. و أنى لهذه الترجمات أن تنقل لأولئك إعجاز البيان القرآني ، بل إعجاز الفكر القرآني الذي لا يمكن أن تنقله كاملا ترجمة للنصوص و لا ترجمة لمعاني النصوص : ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي و لو جئنا بمثله مددا ) سورة الكهف الآية 109. إن السبيل الوحيد لبناء المسلم الحقيقي على الأرض في أي زمان و أي مكان هو إتقانه للغة الإسلام الوحيدة ، اللغة العربية ، لأن المسلم الذي لم يتمكن المسلمون المتأخرون من تبشيره بالعربية بعد أن بشروه بالإسلام لم يعد قادرا على أن يكون مسلما حقيقيا : مسلما يقرأ القرآن فيتدبره و يؤدي الصلاة فيخشع لمعانيها ، و يردد الأذكار و الأدعية فيطمئن قلبه لما فيها ... هذا المسلم لن يكون صورة حقيقية عن الإسلام لأن الإنفصال بين المسلم و العربية ينتج حتما الإنفصال بين المسلم و الإسلام القرآني الصحيح ، ذلك لان اللغة العربية وحدها استطاعت أن تعبر عن كلمات الله بدقة و إلا لما كان هناك داعيا لأن يختارها الله من بين جميع لغات العالم مؤكدا على قدرة اللغة العربية على الإبانة و التوضيح ( بلسان عربي مبين). لذلك تبقى اللغة العربية الوحيدة التي يمكن للمسلمين في جميع مشارق الأرض و مغاربها أن يجتمعوا عليها ، فيتناقلوا فيما بينهم مؤثراتها الفكرية و الجمالية . لقد مثلت اللغة العربية و لا تزال لغة حضارة خالدة أولت الجانبين المادي و الروحي معا اهتمامها ، و حققت الإعتدال و الوسطية ، وهي ليست تلك اللغة اللاهوتية التي تحاط بهالة من التقديس تحجبها عن تلبية حياة المجتمع ، و تتركها قصية عن القيام بدورها في الحياة ، وهي ليست أيضا تطرح الدين جانبا لتنساق مع تيار يعجل بها إلى التذويب و فقد الهوية ، و أنى لها المقدرة على إبعاد الدين ، و إقصاء القرآن الكريم ، و التنكر لفكر المسلمين وهي التي استمدت من كل هذه الأسباب القوة و المنعة و طول العهد و العالمية . وهي ليست كذلك تلك اللغة المرتبطة بفترة زمنية قصيرة هدفها إشباع حاجات مادية أو علمية مؤقتة ، بل لقد عبرت اللغة العربية قديما و حديثا بحق و بصدق عن المفاهيم و المشاعر و المعاني التي توصل إليها المسلمون في مختلف ميادين الحياة و دروبها ، تقوى و تينع بقوة المسلمين و عزتهم و تضعف بضعف المسلمين و تخلفهم. فلا مجال لأن تتهم اللغة الفصحى بالعجز أو القصور بل الأصح أن نتهم نحن بالتخلي عن دورنا الحضاري في قيادة الشعوب و بلوغ ما وراء العرش تطورا وازدهارا. ولنكن متأكدين أن اللغة العربية لن تضن علينا حينئذ بمفرداتها و تراكيبها و بلاغتها التي تؤدي بدقة عجيبة ما بلغناه من رقي حضاري و نماء ذوقي و اتساع معرفي و تمدن . فهي قد حوت واتسعت معاني القرآن المعجزة ، و نقلت لنا حضارة المسلمين في الطب و الهندسة و الجغرافيا و الحساب و التاريخ و التفسير و الشعر و الأدب و غيرها من العلوم و المعارف ، فكيف نقبل اتهامها اليوم بالعجز عن حمل المعارف العصرية و التعبير عنها و لا نتهم أنفسنا بالعجز و الكسل و التفريط فيمن جعلها الله لغة أهل الجنة في الجنة ؟! اللهم إلا أن تكون هذه اللغة الجميلة الجليلة قد استحيت من حمل تخلفنا و عجزنا و ركوننا إلى الذلة و المسكنة ، و قبولنا لأعداء الأمس و اليوم أن يكونوا علينا سادة و نجعل لهم علينا سلطانا مبينا بعدما كنا لهم قدوة و أسيادا ، و خير أمة أخرجت للناس . الخاتمة اقتراحات للنهوض باللغة العربية إن استقراءنا التاريخ اللغوي يدعونا لأن نزعم بأن اللغة – أية لغة – لا يمكن أن تتطور و تزداد مفرداتها و تينع تراكيبها و يترسخ جمالها و تنتشر بين الناس إلا إذا تراكمت المعارف الجديدة و المعاني الجليلة ، و كثرت الإكتشافات و الإختراعات ، و أبدع الناس في كل المجالات الحياتية و المعرفية و التكنولوجية ، حينئذ تأتي اللغة لتعبر عن هذا التطور و الرقي و الإزدهار عن طواعية ، و تسلم قيادها للمبدعين ، فالإنسان إذا ما أبدع أو ابتكر معنى جديدا أو اكتشف شيئا لم يسبقه إليه أحد فإن لغته التي يستعملها لا يمكن أن تضن عليه باللفظ و التركيب الجميل الذي يعبر له و بصدق عما أراد تبليغه للناس ، و عندئذ يجد الآخرون أنفسهم مجبرين على تبني اللفظ الذي عبر به ذلك الإنسان المبدع عن إحدى بنات أفكاره ، إما حرفيا و إما مترجما بصورة لا يمكن أن تكون مطابقة تطابقا كليا مع اللفظ الذي وقعت ترجمته ، ولنأخذ مثلا الشاعر الفيلسوف "محمد إقبال " ، فهو علم فذ من شعراء الإسلام ، خسر الناطقون بغير الأوردية أو الفارسية شعره لأنه لم يكتب بلغة الإسلام ، اللغة العربية ، اللغة التي يمكن للمسلمين جميعا أن يجتمعوا عليها . و إذا ما علمنا أن الشعر في أحدث تعريف له هو : ( الجزء الذي نفقده عند الترجمة ) عرفنا أن إقبال لم يكتب للمسلمين جميعا ، بل لجزء من المسلمين فحسب ، و لو كتب محمد إقبال باللغة الإسلامية ، لغة المسلمين جميعا ، لغة القرآن الكريم ، لكان هو الشعر الإسلامي . و هكذا ، فكلما ازداد المبدعون الذين ينتمون إلى أمة كلما تطورت لغة تلك الأمة واتسع قاموسها اللغوي و كثرت المعاني الجميلة بها ،و أقبل عليها الناس واستعملوها في حلهم و ترحالهم .. في أحاديثهم و خطبهم و كتاباتهم و مختلف إبداعاتهم. لذلك يبقى الشرط الأساسي لتطور لغتنا العربية ، و تحقيق الإنتشار اللازم الذي نطمح إليه : أن تستعمل من قبل المبدعين العرب و المسلمين في شتى صنوف المعرفة بحسب تخصصاتهم المختلفة ، فلا يكتب الشاعر المسلم إلا بلغة القرآن مهما كانت الأرض التي يقيم بها . و كذلك يقتضي واجب الأديب المسلم و الفيزيائي المسلم و الطبيب المسلم و رائد الفضاء المسلم و كل صاحب اختصاص أن يكتب بلغة الإسلام الوحيدة كي تكون إبداعاته و اكتشافاته واختراعاته... تنتمي كلها إلى الحضارة الإسلامية التي يجب أن تسود العالم مرة أخرى بعدما أفلست الحضارة الغربية و بان عوارها في كل مكان .إن الإستعمال الصحيح للغة الفصحى من قبل أهل الإختصاص هو الذي يحييها ، و يوقظ ما أهمل من ألفاظها ، و يقوم من تراكيبها ، وهي وسيلتنا جميعا للإفادة بما في القرآن و التراث الإسلامي من كنوز ، كما أنها أداة تفكيرنا للتقدم في ظل عقيدتنا التي تحثنا على التسامح و النضال من أجل التقدم و الرقي و البحث العلمي و التطور الإجتماعي .. وهي لساننا و لغة قرآننا و أمانة لأبنائنا وجب علينا أن نهبها ألبابنا و نرعاها حتى تنمو و تينع و تتفتح و تنتشر. يقول أحد الشعراء : لا تلمني في هواها أنا لا أهوى سواها و في انتظار أن يتحقق هذا الحلم لا بد أن نعجل بخطوات عملية – شعوب و حكومات – تقرب لنا ساعة الإنفراج و التحرر الفكري لإزالة آثار الغزو الحضاري للغرب الإستعماري الذي يسعى دائما لمسخ شخصيتنا و أصالتنا الإسلامية : 1 – ضرورة أن تكون الأحاديث في الإذاعة و التلفزة و مختلف وسائل إعلامنا الحديثة باللغة العربية السليمة ، و كذلك الأغنيات الشعبية، و التمثيليات ، و المسرح ... فكل هذه الوسائل ذات تأثير لا يجهل أحد قيمته و أن تترجم الأشرطة أو المسلسلات الأجنبية إلى العربية السهلة مباشرة أو عبر الدبلجة و نفس الشيء بالنسبة للإشهار . 2 – يتعين فتح الأقسام الليلية لتعليم العربية للكبار و الصغار ، نساء و رجالا ، و الإستعانة بجهازي الإذاعة و التلفزة يبث المختصون من خلالهما البرامج التي تعلم أفراد الأسرة كلها كيف يكتبون و ينطقون لغتهم الأصلية . 3 – الإكثار من الكتاتيب العصرية (إستعمال الحواسيب و التقنيات السمعية البصرية) التي تحفظ القرآن الكريم للناشئة و ترك الفرصة للمتطوعين و الخواص من أصحاب الشهادات العليا ليقوموا بذلك . 4 – إصدار قرارات لتعريب كل اللافتات التي تدل على مكان أو محل أو مؤسسة أو مصلحة أو شركة عمومية أو خاصة أو شارع ... و لكي يتم تنفيذ ذلك بيسر و نجاعة لا بد من تجنيد نخبة ممتازة من الأساتذة و المعلمين و الخطاطين و المناضلين لخدمة هذه القضية ، و يتم التنفيذ بعملية محو الحرف اللاتيني أينما وجد ، واستبداله بلغة عربية سليمة . 5 – إصدار قرارات تقضي بجعل اللغة العربية وحيدة الإستعمال في ميدان الإدارات العمومية و الجمعيات ، و المقاولات و المؤسسات و الصحافة و التعليم ما عدا في أقسام تعلم اللغات الأجنبية . كل هذه الإقتراحات سهلة التنفيذ إذا صدقنا العزم في الحفاظ على هوية الأمة و لسانها الناطق و قلبها النابض و عقلها الواعي . فهل من مجيب ؟ ملحق لغتنا الفصحى... واقع و آفاق ! في وطننا العربي هناك من يتمعش بهويتنا الحضارية ، يغامر بلغتنا العربية ، يزعم بأن اللهجة الدارجة المحلية أفضل و أنجع من لغة القرآن ، اللغة التي كتب بها الجاحظ و المعري وابن سينا وابن خلدون ... و غيرهم من جهابذة الحضارة الإسلامية و لسان حاله يقول بفجاجة: " من أراد التقدم و الرقي و اللحاق بركب الحضارة الغربية، فلا يتكلم العربية الفصحى "!؟ ، وأما حجته في ذلك ، فهي أن الإستعمال هو السيد الذي يفرض نفسه، واستعمال اللهجة الدارجة لكل بلد هو إعتراف بحق الجماهير في العلم و التأثير !!؟ و هنا يتبادر إلى الذهن، أي علم سنكتبه بلهجات تفتقر إلى المصطلحات العلمية و الأدبية و حتى الإنسانية البسيطة التي تشتمل عليها اللغة العربية الفصحى، بالإضافة إلى اختلافها من بلد إلى آخر ، كما تختلف في البلد الواحد باختلاف مناطقه و أجيال أبنائه !! لقد استنبطت الشعوب هذه اللهجات المحلية لتيسير التعامل اليومي بينها و قضاء الحاجات اليومية البسيطة، فكيف نسمح باتخاذها للتعبير عن حضارتنا و تمددننا و إبداعاتنا و ابتكارات أبنائنا ؟ و إني أتحدى كل من تحدثه نفسه باتخاذ اللهجات الدارجة بديلا عن اللغة الفصحى أن يكتب مقالا بلهجة دارجة عن نظرية ابن خلدون مثلا في العمران البشري أو ابن سينا و الرازي في الطب أو غيرها من النظريات العلمية أو الأدبية قديمة كانت أو حديثة . أيها السادة يا من تحملون على عاتقكم مسؤولية الإعلام ، ارفقوا بنا و بلغتنا / لغتكم ، و حاولوا أن ترتقوا بمواطنيكم باختيار لغة فصيحة بسيطة و سهلة دون تقعر، عوضا عن لهجة دارجة ركيكة ركاكة من يتبناها ، تزيد الذوق تدنيا بحكم اشتمالها على ألفاظ سوقية مستهجنة نزعم أنكم أربأ من الإنحطاط إلى مستواها .؟ أيها السادة اقرؤوا التاريخ و راقبوا الأمم المتقدمة كيف تحافظ على لغاتها المعيارية (الفصحى) لأن اللغة وحدها تعكس ما بلغته الشعوب من رقي و تقدم في كافة مجالات الحياة. إن توقف اللغة العربية الفصحى عن الإشعاع الحضاري الذي بلغته من قبل مرده تخلفنا الحضاري و تبعيتنا المهينة للغرب و ليس عجز اللغة العربية أو تخلفها و عجزها . فهي مرآتنا في الحضارة و التمدن ! أيها السادة ثقوا كل الثقة أنكم متى اعتززتم بأنفسكم و حضارتكم و لغتكم رمز هويتكم ، و سرتم على درب البحث و التنقيب و الكد في كافة ميادين الحياة لتقوية أمتكم و حماية هويتها من الأعداء فلن تضن عليكم هذه اللغة الجميلة بكل غال و نفيس لفظا و تركيبا و معنى ، مبنى و معنى ، فعلينا أن نهبها ألبابنا و نرعاها بمهجنا حتى تنمو و تينع و تتفتح و تنتشر . رفقا بلغتنا أيها المهاجرون !! من الظواهر التي أصبحت تلفت الإنتباه إليها و تعبر عن بعد من أبعاد أزمتنا الحضارية في العصر الحديث ، هو تخلي الجيل الجديد من جاليتنا بالخارج عن لهجتنا الدارجة المستمدة أساسا من لغتنا العربية الفصحى!؟ فأصبحنا نرى و نسمع في شوارعنا أطفالا و شبابا تونسيين يتحاورون باللغة الفرنسية ، بل و فيهم من يحرص كل الحرص على أن يسمعك صوته عاليا وهو يتخاطب مع أبيه أو أمه أو أخيه ... بلغة فرنسية غير سليمة في الغالب الأعم، مستهترين بكل قيمنا و سماتنا الحضارية التي تعتبر اللغة العربية أسا من أسسها. بل إن ما يبعث على الدهشة حقا أن ترى أما تكلم طفلها- فلذة كبدها - بلغة فرنسية ساعية جهدها لتعليمه كيفية التخاطب بلغة من استعمرنا بالأمس القريب و خرب حرثنا و نسلنا و لا يزال يسعى جاهدا لقبر هويتنا الحضارية. و إذا سألت أحدهم : لم هذا الحرص على إنكار جذورك؟ صمت و لم ينبس ببنت شفة ، فتفهم أنه يقلد تقليدا أعمى لا يعرف هو نفسه مآله و مصيره . بل لعل هذه الظاهرة المرضية تكشف عن شعور بالنقص دفين لدى هؤلاء " المتفرنسين "و اعتقادهم الساذج أن في استعمالهم للغة من عاشوا بينهم لأسباب مهنية بحتة سترفع من قيمتهم بين أهلهم و ذويهم و تجعلهم في نفس المقام الذي بلغه المجتمع الفرنسي مثلا .؟! و هذا لعمري خطأ فادح لأن فرنسا لم تصل إلى ما وصلت من تمدن حضاري و تقدم إلا باحترامها لقيمها و أصالتها الحضارية و على رأس كل ذلك يأتي احترام المواطن الفرنسي للغته الأم ، و إني أتحدى أي تونسي – يعيش على الأرض الفرنسية – أن يرى فرنسيين يتخاطبان باللغة العربية مثلا أو باللغة الألمانية ... بل إن السلطات الفرنسية اتخذت قرارا يقضي بأن يغرم الفرنسي الذي يستعمل مصطلحا غير فرنسي له ما يقابله في اللغة الفرنسية، مما ينم عن وعي هؤلاء بقيمة اللغة في الحفاظ على هويتهم الحضارية ، و من فقد هويته أنى له أن يبني حضارة أو يصنع تمدنا ؟؟! فرفقا بنا و بلغتنا أيها المهاجرون و احترمونا كما نحترمكم و نجلكم !! المحتــــــــــــــــــــــــوى المقدمة : قبل أن تصبح اللغة العربية غريبة بيننا 3 الباب الأول: الظروف التاريخية لتطور اللغة العربية وانتشارها 7 الباب الثاني : خصائص اللغة العربية 14 الباب الثالث : المخاطر المحدقة باللغة العربية في العصر الحديث 21 الخاتمة : اقتراحات للنهوض باللغة العربية 32 ملحق لغتنا الفصحى ... واقع و آفاق 36 رفقا بلغتنا أيها المهاجرون 38


الفن الإسلامي و شروط الإبداع




















الكاتب

محمد سالم بن عمر
Mohamedsalembenamor21@yahoo.fr
http:islam3mille.blogspot.com
محمد سالم بن عمر، كاتب و ناقد تونسي ، عضو باتحاد الكتاب التونسيين .
أصيل سيدي بوعلي ولاية سوسة، متزوج و له شيماء و نصير الله.
متحصل على شهادة الأستاذية في التنشيط الثقافي منذ 1992، وقد عمل مديرا لدور الثقافة بتونس .
له مساهمات عديدة في النقد و الإبداع و المقال الفكري\ الحضاري...
صدر له كتاب:" اللسان العربي و تحديات التخلف الحضاري في الوطن العربي الإسلامي عام 1995"
كما صدر له كتاب : " نقد الإستبداد الشرقي عند الكواكبي و أثر التنوير فيه عام 2009 "

و قد نشرت له جل الصحف و المجلات الوطنية مقالات فكرية و نقدية و قصص قصيرة وقصائد .. كما نشرت له بعض المجلات و الصحف العربية .. مقالات فكرية وحضارية..
له مخطوطات عديدة أهمها :
ذكريات زمن مضى (رواية) * نحو إعادة تشكيل الفكر العربي الإسلامي في العصر الحديث ﴿مقالات فكرية / حضارية﴾ .



الـمقـــــــــدمــــــــة

الفن هو جملة الوسائل التي يستعملها الإنسان لإثارة المشاعر و العواطف و بخاصة عاطفة الجمال . فالإنسان يتأثر و ينفعل فيعبر عن تأثره و انفعاله ، و يخرج إلى العالم الخارجي صدى وقع الحياة التي تلقاها إحساسه الداخلي ، فالصورة الفنية مهما كان شكلها هي تعبير عن الإحساس الداخلي الذي يحس به الإنسان و ينفعل و يتأثر، فيعبر بصورة من صور الفن التي يجيدها عن موقف من الوجود بمعناه الكوني ، و الإجتماعي و السياسي و هموم عصره و قضاياه و مشاكله . أما الفنان فهو المشتغل بفن من الفنون و القادر على أن يجعل من فنه كائنا حيا ، يموج بالحركة و الحيوية مشعا بالحرارة ، و تنطلق منه موجات خفية أو مجسدة ، تفعل فعلها ، و تؤدي المنوط بها،إزاء جهاز الإستقبال العقلي و العاطفي في الإنسان.
لقد شهد عالمنا المعاصر تحولات عميقة أثرت في جميع هياكله السياسية و الإقتصادية و الثقافية .. و صار الفن بأشكاله المختلفة يحتل مكان الصدارة في توجيه المسيرة البشرية نحو الخير و الفضيلة أو نحو الخراب و الدمار و سوء المآل. و طرحت مفاهيم جديدة تستفز فكرنا خاصة ما يتصل منها بالفن عموما كالقصة و المسرح و الموسيقى و الغناء و الشعر... مما يتطلب و قفة نبحث خلالها في موضوع الفن بهدف إكتشاف ما هناك من عناصر أصيلة و ناجعة لتقريبها و أخذ الصالح منها ، و ما يمكن أن يكون هناك من عناصر دخيلة أو شوائب و من ثم يجب حذفها و استبعادها ، و بذلك ننفي الخبث ، و نطرد الدخيل و السقيم حفاظا على مسيرة شعوب الإسلام الحضارية و تخليصا لبقية شعوب الدنيا من الغل الذي وقعت فيه . لذلك حددنا في الفصل الأول من بحثنا : المنابع الفكرية لهذا الفن الدخيل و أسميناه بالفن " الهائم " تمييزا له عن الفن المنشود وهو الفن " الفرقاني ". و في الفصل الثاني تحدثنا عن أهم سمات الفن الهائم ، لنمهد بذلك إلى الفصل الثالث و الذي تناولنا فيه بالدراسة أبرز مرتكزات الفن الفرقاني و مميزاته ، و ختمنا هذا الفصل بالحديث عن مفهوم الإبداع و الشروط الواجب توفرها في أي عمل إبداعي ليكون بحق " فنا فرقانيا " .

الفصـل الأول
المنابع الفكرية للفن الهائم

تكشف لنا دراسات الآثار و النقوش البدائية أن القدر مثل القوة الخفية التي أحس بها الإنسان البدائي منذ أن وجد نفسه في مواجهة الطبيـــــــــــــــعة الجميلة و المخيفة ، و منذ أن واجه الموت في الخطر الداهم ، و أحس بيد خفية تمتد إليه بالنجاة ... و منذ أن عجز عن تفسير قضايا كثيرة تمر به بين الحين و الآخر...هذا القدر مثل حقيقة رهيبة في حس الإنسان القديم يخافها و يتقيها غالبا ،و قد سعى الإنسان أن يبرز هذه الصورة في أطره الفنية المتنوعة ، و يجعلها في حالات كثيرة مضمونه المهم .فلقد اهتم الأدب اليوناني شديد الإهتمام بالقدر ، و اتخذه موضوعا لعدد من مسرحياته ، يبرزه في ملاحمه و شعره و رواياته ، و كانت صورة القدر دائما مشربة بالوثنية ، و بتصورات الإنسان السوداء تجعله ظلما محضا ، ينصب على الإنسان و يحاصره باللعنات و المصائب ، و يدخل معه في صراع مرير ، و تفنن الأدباء في تلوين فنهم بألوان قاتمة لشحن المتلقين بمشاعر سوداء إزاء القدر !!؟
و أخذ الأدب الروماني عن الأدب اليوناني هذه الصورة المضطربة للقدر ، و عرضها في أعماله الأدبية ، و نجد أثر ذلك في الإلياذة ملحمة الأدب الروماني الكبرى و في مسرحيات " بلوتوس " الفكاهية الساخرة .
و لما جاءت المسيحية توجهت بالأدب إلى الآخرة و أصبحت التماثيل العارية ممنوعة، و اتجه الفن إلى تصوير النزعات السامية في الإنسان و الخصال الحميدة فيه، كالتوبة و الإستشهاد في سبيل الدين ، و تحمل الآلام و العذاب في سبيله ، و تمجيد الله و إعلاء كلمة المسيح عليه السلام ، و الإشادة بطهارة العذراء و استشهاد القديسين ...! و كانت المسيحية ترى بوجه عام أن الفنون التصويرية وسيلة طيبة لتثقيف المسيحيين في دينهم ، حتى قال بعض قديسيهم : " إن اللوحات في الكنائس تشرح للأميين ما لا يستطيعون قراءته في بطون الكتب ".
أما الأدب الأوروبي المعاصر فهو حفيد الأدبين الأثيني و الروماني في نظرته للقدر ، و تصوره للكون و الإنسان و الحياة و العلاقة بين الله و الإنسان أو بين الطبيعة الغامضة و الإنسان ، إذ لا يختلف في خطوطه العامة عن تصور " سوفوكليس " أديب اليونانيين في مسرحية ﴿ أوديب﴾ و "يوربيدوس "و " فرجيل "و "بلوتوس " خاصة و أنه تلون بموجات الإلحاد و معاداة الكنيسة التي بدأت في عصر النهضة واستمرت مدة طويلة ، و قد استبدل الأديب الأوروبي في بعض الحالات به قدرا آخر كالطبيعة أو الظروف أو قوة المجتمع ، و حاول أن يفسر الألوهية في صورة مادية محسوسة ، دون أن يسقط قضية الصراع منها ، وهي القضية الكبرى في التصور اليوناني الوثني ... و ظل الإنسان في هذه الصورة مظلوما مقهورا ، و ظل في صراع مع القوة الغامضة الجديدة ، ينهزم أحيانا و ينتصر أحيانا أخرى. و قد حمل المسرح الأوروبي منذ العصر الكلاسيكي الجديد و حتى عصرنا الحاضر أشكالا من هذه الصورة القاتمة، و جسد صراع الإنسان المتوهم مع الألوهية و صور القدر ظلما مطلقا ينصب على الإنسان.!
و تقوم مسرحيات "آرمان سلاكرو" و "جان كوكتو" و "موريس مترلتر"و "البيركامي"و "جان بول سارتر" على فكرة الصراع مع القوة الخفية و الآلام المضخمة التي يعانيها الإنسان نتيجة لهذا الصراع ، فالمسرح المعاصر يعترف بالقدر و يخاف منه و يبحث من خلال تصوره له عن براءة للفرد الأوروبي من ذنوبه وإلحاده للتخلص من تبعة الذنوب و الإلحاد و التناقضات و إلقائها على قوة غيبية لا يريد أن يبحث عن حقيقتها ، و توهم الأديب الغربي أنه لا مجال لأن يلتقي قدر الله و إرادة الإنسان في انسجام و توافق جعله يصرخ بهستيرية عجيبة ، لماذا الحياة ؟! و ما المصير؟.
في الحقيقة ، لقد ساعدت عدة عوامل على تأصل مثل هذا الفن الهائم الضائع في متاهات التاريخ ، في أوروبا و في أصقاع مختلفة من العالم (راجع كتاب : بن سالم بن عمر( محمد) نقد الإستبداد الشرقي عند الكواكبي و أثر التنوير فيه – المطبعة العصرية ،2009 / الطبعة الأولى .) ، و قد ساهمت الكنيسة بدور هام في تكريس واقع الضياع و التخبط ... فلقد جعل كهنة الكنيسة: "النصرانية " : مرقعات من البوذية و الوثنية ، و جعلوا التعاليم الدينية كلمات جوفاء من أي مدلول روحي سام يجتذب الأفئدة و يسر البصائر ، و حرفوا الكلم عن مواضعه ليشتروا بذلك ثمنا قليلا ، فطغت الخرافات و الأساطير و ألبس الحق بالباطل ...؟! و تولد عن ذلك نزعة عقلية نقدية انتشرت بسرعة، بسبب النقمة على الكنيسة و الضيق من تسلطها على الناس و الحكام و إشعال الحروب الصليبية التي دفعت أعدادا كبيرة من الناس إليها ، و النظام الإقطاعي الذي سام الناس ظلما وخسفا و باركته الكنيسة و شاركت فيه ، و موقف رجال الدين المشين من العلم و العلماء ... هذه العوامل ساعدت على إقناع الناس بالدعوة العقلية و بناء الحياة بمعزل عن الكنيسة و ترهاتها ، فانتشرت الفلسفة العقلية في بداية ما اصطلح عليه بعصر النهضة ، و كان لهذه الفلسفة تصورات بديلة للتصورات المسيحية السائدة ، فشجعت حركة الإلحاد و حولت مقاليد الإنسان من الغيب و القدر – كما هو في التصور النصراني الذي يثلث أو يوحد – إلى العقل البشري ، و جعلت ما يقدمه العقل من تشريعات و تنظيمات هو الحكم ، و أعطت منجزات الإنسان قبل المسيحية – الرومانية و اليونانية – الأولوية ، ووجهت الباحثين إلى دراستها و تنظيمها ، لأنه إبداع إنساني لا يستلهم تعاليم السماء ، و أصبح النظام العقلي هو الذي يدير قضايا الحياة كلها من السياسة ، حيث "الميكيافلية " ، إلى الفنون و الآداب ، حيث يحيط العقل بالعواطف البشرية ، و لم تعد أراء الكنيسة مسموعة و لم يعد الأدب الذي يستند إلى التصورات النصرانية – أدب العصور الوسطى – مقبولا لدى النقاد و الجمهور . و ظهرت الكلاسيكية الأدبية معبرة عن هذا الواقع الجديد بفضل "كورني "و "موليير" و " راسين " الذين أعجبوا بالنظام الكلاسيكي و الأدب اليوناني فأخذوا بقواعدهما و استخرجوا أصول الكلاسيكية من الأدب القديم و من كتاب "أرسطو " و الشروح التالية عليه و طبقوها في مسرحياتهم وأدبهم . و هيأت الظروف التي أحاطت بالغربيين في القرن التاسع عشر للتيارات الفردية و فلسفاتها ، فقد كثرت الحروب و اشتدت النزعة الإستعمارية ، و توالت الأزمات الإقتصادية و الإضطرابات الإجتماعية ، فأصيب الفرد الغربي بموجات من خيبة الأمل و اليأس ، و بدأ يفقد الثقة بالنظام العقلي الذي أنجب الكلاسيكية ، و شعر بالحاجة الشديدة إلى ملاذ عاطفي ، فأقبل على الفلسفات المثالية ، و طبقها في ميادين حياته ، و على رأسها الفن و الأدب . و من مظاهر ذلك تشكل المدرسة الرومانسية الفرنسية بفضل قصائد "سندال "و "الفريد دي موسيه " و "ستندال " و "لامرتين " و "شاتوبريان " و مسرحيات "فكتور هوجو" .و قد حملت الرومانسية الفرنسية خلفها ركاما هائلا من الظروف المضطربة و الفشل و خيبات الأمل و عجز العلمانية عن تحقيق حلم الإنسان بالسعادة . و لقد آمن الأدباء الرومانسيون بالمبادئ التي طرحتها الفلسفات المثالية و ثاروا من خلال إبداعاتهم الأدبية على الكلاسيكية و مبادئها. و ظهرت الرومانسية الأنقليزية بفضل قصائد "وردزورث " و "ولييم بليك " و " كولردج " و " شيللي "التي جسدت النزعة الفردية و الإهتمام الشديد بالعاطفة و الوجدان . و استوت الرومانسية مذهبا أدبيا واضح المعالم بفضل كتابات " هربرت ريد " و "ولييم بليك " و " كولردج " و "هوجو" و "سيلر" و آخرين . كما ساهمت منذ منتصف القرن العشرين الحربان العالميتان ، و الأزمات الإقتصادية الكبرى ، و تفكك الأسرة الغربية و تردي الأخلاق و موجات الحيرة و القلق و الضياع .. في جعل الفرد الغربي مستعدا لقبول الفلسفات الواقعية و الماركسية و الوجودية ، فأدب الإشتراكيين الماركسيين عبر بدقة عن المذهب المادي الجدلي الذي يربط الحياة كلها بمحور واحد هو المادة ، و يدير ظهره نهائيا لعالم الغيب و الخالق . كما أن المذهب الواقعي الإشتراكي لم يظهر إلا بعد أن ظهر " مكسيم غوركي " و "بوشكين " و آخرون اقتنعوا بالمبادئ الماركسية و أنتجوا أدبا يبرز قضاياها الرئيسية . كما كان لكتابات " سوتشكوف " و "روجيه غارودي " و "أرنست فيشر " و " جورج لوكاتش " الفضل في تأصيل الواقعية الإشتراكية . و عكس أدب الوجوديين فلسفتهم الغارقة في الوجود المادي و المنقطعة عن السماء و العاجزة عن التعامل مع البيئة ، و قد استوت الوجودية مذهبا أدبيا بفضل كتابات " سارتر " عن الإلتزام و تحليلاته الأدبية . و لعل أهم القضايا التي يحملها الأدب الوجودي تتمثل في عبثية الحياة ، و التمرد الفوضوي على المجتمع ، و القلق الدائم ، و لا سيما القلق من الموت ، و اعتبار الموت نهاية غير عادلة للحياة ، و تنصيب الذات البشرية في مقام الألوهية ، و منحها القدرة الكاملة على تسيير الحياة . و منذ ما سمي بعهد الإصلاح و النهضة أخذت هذه المفاهيم الغربية تنتقل إلى قدر من الأدباء في البلاد العربية و الإسلامية، أقبلوا على الثقافة الغربية و أعجبوا بالأدب الغربي و مذاهبه ، و فتنوا بمسرحه و لم يحسوا بما فيه من أمراض ، فدبت فيهم العدوى و ولعوا بكل ما ينتجه الغربيون في الفن ، و ما لبث إنتاجهم الأدبي أن حمل جراثيم كثيرة فتاكة ...! أخطرها النظرة الغارقة في التشاؤم للحياة و التصور القاتم للقدر ، فإذا بهم يناقشون في أشعارهم أو قصصهم أو مسرحياتهم قضايا الحياة و الموت و يبثون في شخصياتهم الأدبية التي ينشئونها شعور العبث و الظلم ، و تجري على ألسنتها عبارات الخصومة و التمرد و الصراع ، ليقولوا لك في النهاية أن الحياة عبث لا طائل وراءه ، و أن الإنسان مقهور شاء أم أبى !؟إن هذه النقلة الخطيرة في أدبنا و نظرتنا للكون و الإنسان و الحياة ، لم تأت صدفة بل هناك ما يبررها : فبالإضافة إلى الإستعمار الذي بسط نفوذه على جل البلاد العربية و الإسلامية و قام بمجهودات جبارة لاجتثاث هويتنا ، و انبهارنا بمنجزاته الحضارية ، -انبهار الغالب بالمغلوب - قام الإستشراق بدور خطير في مجريات أدابنا و علومنا و فننا عموما ، فقد ظل المستشرقون أساتذة لعلوم حضارتنا لفترة طويلة مما مكنهم من تربية جيل واسع ممن أشربوا مفاهيمهم و تجربتهم و روحهم المعادية لقيمنا الحضارية الأصيلة ، و قد تربى هذا الجيل على مناهجهم في تناول القضايا المختلفة دون مراعاة خصوصيتنا الحضارية و قيمنا الإسلامية . و بعد أن انحصر دور المستشرقين في بلادنا العربية و الإسلامية خرج هؤلاء التلاميذ أساتذة لعلومنا و فنوننا ، و كان دورهم أخطر ، و ضرباتهم أعنف في نقل الخراب إلى ديارنا من المستشرقين أنفسهم . و هكذا بدأت مع بدايات العصر الحديث الغزوة الحضارية الكبرى لبلدان العالم العربي و الإسلامي ، و استيقظت معها كل دعاوي الشعوبيين ، و أعداء أمتنا ، لتصبح العنصرية و العرقية هما التكوين الإنتمائي ، و تبدأ الغربة الطويلة التي تعيشها الأمة العربية و الإسلامية .. !!؟ من ذلك إقدام طه حسين على الطعن في أصول اللغة العربية حتى ينهار الأساس الذي نفسر به تراث الأجداد ، و يصبح التفسير و الشرح تحكميا ، و بانهيار الأسلوب العربي ينهار الأسلوب القرآني كذلك ، لشدة الصلة بينهما و نزول القرآن " بلسان عربي مبين ". كما حوربت القيم التي بنى عليها المسلمون حضارتهم و أزيحت فكرة الأصول الثابتة بهدف تغليب طوابع التطور المطلق الذي لا يعترف أساسا بالضوابط و الحدود، ففي سنة 1930م ارتفع صوت محمد عبد الله عنان في مقال له في "السياسة الأسبوعية " قائلا: «.. أعتقد أن المستقبل ليس لأدب القصة ، و أن هذا النوع من الكتابة سيبقى في مكانه بعيدا عن النهضة الفكرية و الأدبية العامة ، ما بقيت الحياة الإسلامية قائمة على أصولها و تقاليدها الأثيلة ، و ما بقي للأخلاق و الخلال معيارها الإسلامي "!؟
و قد أشر هذا لفتح الطريق أمام حرية الإباحية و تمجيد العلاقة الجنسية خارج نطاق الزواج الشرعي و الجرأة على كل القيم و المعايير الإسلامية الثابتة ، و أصبحت هذه الجرأة على قيم الإسلام شرطا من شروط الإبداع حسب البعض ، يقول علي أحمد سعيد " أدونيس " : " إن السبب الذي يكنه العرب للإبداع ، هو أن الثقافة العربية بشكلها الموروث هي ثقافة ذات معنى ديني "!!؟ و يضيف كمال أبوديب في هذا المعنى : " من الدال جدا على أن النص المقدس في جميع الثقافات التي نعرفها هو نص قديم ، فليس هناك من نص مقدس حديث و الحداثة بهذا المعنى هي ظاهرة اللاقداسة ... و لا سبيل لأن يكون الأدب حديثا إلا إذا رفض كل نص مقدس و أصبح نقيضا لكل ما هو مقدس حتى العبادة " ! ؟ راجع ردا على هذه الترهات في كتاب : بن سالم بن عمر( محمد) نقد الإستبداد الشرقي عند الكواكبي و أثر التنوير فيه – المطبعة العصرية ،2009 / الطبعة الأولى / جدلية الحداثة التغريبية و التخلف." بل تصل الجرأة ببعض الكتاب أن يبشروا بالحقد و الكراهية و الأنانية و تمني الموت ، يقول الأستاذ "ولسون" في كتابه " اللامنتمي " لا صلاح لهذا العالم المليء بالتناقضات إلا بالثورة و الغضب و عدم الإنتماء إلى أية قيمة أخلاقية من القيم الموروثة بل لا بد من مواجهة العالم بكل مشاعر الحقد و الكراهية " !! و يقول محمد الماغوط في نفس الموضوع : " على اللامنتمي أن يحس باللاجدوى لأن هذا الوجود بلا موقف و لا دليل و لا مستقر و لا مرشد ، فليس للامنتمي إلا الإحساس بالسأم و يتمنى الموت و الأنانية الفردية و رفض كل المعطيات الخارجية " !! إن هذه الثقافات المستعارة ، و القيم الغريبة و التقليد الأعمى للغرب ، قد سرب إلى النفوس جموحا عاطفيا سلبيا و أورثها العلل الذي أفرزتها الفلسفات الفردية كالوجودية و الرومانسية و غيرهما ، و لعلنا لا نشك في أن الفكر الوجودي يمثل أعظم الروافد التي أشاعت موجات الإغتراب و الضياع في إبداعاتنا الشعرية و الفنية عموما ، لقد أصبح الإنسان بفضل هذه " الفلسفات " يحس بالضياع و الغربة في عالم التكرار الممل الذي فقد المعنى ، عالم يحس فيه الإنسان بوحدته و تفرده و نفيه في هذا الكون ، بعد أن يرفض العناية الإلاهية و هدايتها له في كل التفاصيل الحياتية و يتمرد على كل قيم سابقة تعوق تحقيق وجوده !؟
الفصل الثاني
خصائص الفن الهائم
بينا حتى الآن كيف كان "الفن الهائم " وليد فلسفات مريضة و تيارات جانحة منحرفة من الفكر و الثقافة الإعتقاد ، و نظرة خاطئة لحقيقة الألوهية و القدر ، و قد انعكس كل ذلك على مختلف الفنون و أصبحت جل الإبداعات الفنية لا تعكس إلا الحيرة و التخبط ، و الهروب من المواقف الجادة ، و الإنسلاخ عن الدين الحق و معطياته ، و الإغراق في اليأس و القنوط ، و النزوع إلى الهدم و التحلل . و لقد عانى المجتمع الإسلامي منذ عهد النبوة من مثل هذا الفن الهائم على وجهه ، و الضائع في متاهات التاريخ و الذي تخطى حرمات العقيدة و العقل ، و حمل صورا و مواقف و قضايا معادية للإسلام ، كالشعر الذي هجا به الشعراء المشركون رسول الله صلى الله عليه و سلم و الصحابة الكرام ، و تبذلوا فيه حتى ولغوا في أعراضهم و سخروا فيه من المفهومات الإسلامية ، و كالشعر و النثر الذين يدعوان إلى الرذيلة أو إلى قضية يحاربها الإسلام ، أو يسوغان محرما . و قد واجه المسلمون هذا التيار ، فأهدر الرسول صلى الله عليه و سلم دماء الشعراء الذين نالوا من مبادئ الإسلام و من أعراض المسلمين ، و أمر صلى الله عليه و سلم بقتل عدد من الشعراء المشركين و اليهود ممن آذوا المسلمين بشعرهم منهم على سبيل المثال : أبو عفك أحد بني عمرو بن عوف ، و عبد الله بن خطل القرشي ، و مقيس بن صبابة الكناني ، و أبو عزة الجمحي ، و عصماء بنت مروان ، و كعب بن الأشرف ، و أبو رافع سلام بن أبي الحقيق . و هناك شعراء لم ينفذ فيهم القتل لهروبهم أو توبتهم و دخولهم في الإسلام ، مثل هبيرة بن أبي وهب ، و الحارث بن هشام (" أنظر سيرة بن هشام 5/636، و الطبري 3/59"). و سار الخلفاء الراشدون على نهج النبوة فراقبوا إلتزام الشعراء بالإطار الخلقي الإسلامي و عاقبوا الشعراء الخارجين عليه كالحطيئة و ضابئ البرجمي و الأحوص ... و كانت هذه المواقف درسا من دروس التوجيه و شكلا من أشكال معالجة العلاقة السلبية بين الأدب و الإسلام .كما ظهرت تجاوزات في العصور التالية تخطت جدران العقيدة ، كالغزل بالغلمان و التعهر و الدعوة إلى معاقرة الخمرة و التغني بها ، و إعلان الإيمان بالحلول و التناسخ و الإلحاد ، و العبث بالقيم الإسلامية على سبيل الدعابة أو المجون ... و غير ذلك من التجاوزات الكبيرة و الصغيرة ، فعارضتها السلطات الرسمية ، و عوقب أصحابها بالسجن أو القتل ، كما حدث لبشار و الحلاج . و قد تطورت هذه الحالات الشاذة في الأدب العربي و الإسلامي في العصر الحديث ، و شهد تغيرات هائلة دفعت جله إلى جزر نائية حتى غدا هذا الفن غريبا عن فن الإسلام ، دخيلا عليه ، و صرنا لا نرى في إنتاج أدباء هذه الأيام العجاف ، إلا الحيرة و التخبط ، و سكب الدموع و تصعيد الآهات ، و السخط على الحياة و الأحياء ، و التنكر للقيم الرفيعة و المبادئ السامية ، و الإنسلاخ عن الدين و أهدافه ، و الإغراق في اليأس و القنوط ... !؟ و لعل أبرز ما يميز هؤلاء الأدباء ميلهم الشديد إلى تصوير الآلام النفسية ، و الإنتكاسات العاطفية ، و هم مغرمون بتصوير الأحزان و العذاب و الهجر ... إن مثل هذا الأدب لا يستطيع أن ينهض بأمة، أو يبني قوة قادرة أو يشكل من المستقبل جنة وارفة الظلال، تفوح بالحب و الأمل و العمل البناء ، لأنه لا يقوم برموزه و دلالاته على أسس سليمة من الواقع التاريخي أو التجريبي . كما أصبح الحزن غاية في حد ذاته ، لأنهم يرسمون لوحات تطفح باليأس و الألم و قسوة الحياة ، و يعكس إيقاعها الناقم المتشائم رؤية نفس مدمرة ساخطة ، و ينظرون إلى الناس نظرة فيها الكثير من المقت و الإنكار و النقمة .
و لا شك أن مثل هذا الأدب يصدر عن نفس حائرة مضطربة بلا عقيدة ، أو بعقيدة قد اهتزت أمامها السبل فتركت صاحبها بلا يقين و لذلك جاء إفرازها أيضا حائرا مضطربا ، و ضالا عن هداية الله ، لا يرى اتساقا في الكون و إنما عبثا ، و لا ينتظر أملا بل يلف روحه التشاؤم ، و لا يرى لوجوده ووجود البشرية غاية ، ما دامت علة الوجود عن نفسه غائبة ، فكل إناء بما فيه يرشح و من فارقه الإيمان و جافاه اليقين فقد تلازمه الحيرة و يغلب على سلوكه العبث و سيبقى أبدا كما كان "سيزيف" في الأسطورة اليونانية ، حاملا صخرته صاعدا بها ، فساقطة منه ، و بينما هو يواصل الحمل و الصعود ، يظل قانون العبث ، و اللامنطق و العشوائية و اللاجدوى يحكم العالم .! و قديما تصور عمر الخيام الكون كتابا لا ينفذ العلم البشري إلى واحد من سطوره ، و غيبا مجهولا يطرقه الإنسان دون جدوى ، فجاء شعره موغلا في الضياع و العبث و السلبية ، و انغمس حتى الأذقان في اللذة بأشكالها و صنوفها جميعا أملا في التخفيف من الألم و التساؤل و الحيرة ؟! و صور لنا الناقد الألماني "هيلموت أوليج " واقع الأديب العالمي "هنري ميلر" فقال : " إن عالمه يقوم على ازدراء العمل و تعاطي الشراب كمخدر و الإتصال الجنسي ، و أن هذا العالم عنده هو العلة الغائية للوجود ، و الإباحية هي منوال الحياة ، وهو يعتمد على كل المثيرات العنيفة "-"( معنى الواقعية ص 54") ﴿ ﴾ و منذ ديوانه الأول راح صلاح عبد الصبور ﴿ ﴾" (عنوان الديوان : الناس في بلادي ") يصرخ في قصائده أن الحياة عبث ، و أن الناموس الذي يسيرها خطأ، و أن فيها انحرافا صميما يعجز الإنسان عن إصلاحه ، و أن الموت نهاية غير عادلة للحياة ، و أن القدر ظلم محض ...!و عبرت قصائد بدر شاكر السياب كلها تقريبا عن صيحات الإنكار و الحيرة و التخبط في دياجير الظلام !؟أما الموضوعات المطروقة في القصة العربية فتدور جلها حول " الحب "أو " الخيانة الزوجية " ، أو الحديث عن حياة البغايا و الراقصات ... و تغرق أحداث القصة بتفصيل حالات الإنحراف و السقوط ، و تصويرها في صورة لذيذة ، تحمل بذور الشر التي تنمو و تطغى على المقاصد النبيلة التي يمكن أن توجد في القصة ، و توحي القصة لكل زوجة ينحرف قلبها قليلا عن زوجها أن تسارع إلى عشيق ، و تسمي ارتباطها بعشيقها هذا رباطا مقدسا !!؟ بينما يسمى ارتباطها بزوجها عقد بيع الجسد ! و قد بذل كتاب القصة و لا يزالون جهودا منظمة لإنشاء موازين و قيم و تصورات غريبة عن مجتمعنا العربي الإسلامي . و سعوا جاهدين إلى إطلاق الغرائز من كل عقال إخلاقي ، قصد انطلاق السعار الجنسي المحموم بلا حواجز .. باسم الحرية، وهي عندهم لا تعني سوى الشهوة و النزوة. يقول فؤاد دوارة في نقده لقصة " لا أنام " لإحسان عبد القدوس : " لا أعرف قيمة فنية واحدة يمكن أن تدفع الكاتب الروائي إلى أن يملأ روايته بكل هذه التفصيلات الدقيقة عن أفضل السبل لخداع الأهل و ممارسة الرذيلة في أمن و دعة"﴿ ﴾ " - في الرواية المصرية ص 136 .".أعتقد أن أدب الإنحلال و العبودية الذي يبشر به هؤلاء الكتاب/ "الأدباء" لا يمكن أن يجد صدى لدى الناس و يروج بينهم إلا حين تفرغ الشعوب من القدرة على الكفاح في سبيل مثل أرفع من شهوة الجسد ، لأنه كلما غابت الفكرة ، يعلو الصنم ، صنم البطن و الجنس و عبادة الذات ، و تتقلص اهتمامات الإنسان و فعاليته الإجتماعية ، فيصبح المأكل و الملبس و الزينة المبالغ فيها و الجنس المحموم و تزجية الوقت في اللهو و العبث شغل الإنسان الشاغل ، و بذلك يفقد الفن أي تأثير في البناء و يصبح أداة هدم ، يبث في أعماق النفس اليأس و الخراب و الإستسلام للواقع المرير و لشهوات النفس الأمارة بالسوء بطبعها . و حينئذ يأتي دور الكتاب الذين تخصصوا في إعطاء الشعوب جرعة من الوهم و الخيال للتعويض عن الواقع ،و ذلك بسرد القصص الخيالية الكاذبة التي تعطي الوهم بدلا من إعطاء الحقيقة ، و استعارة الرموز التي تتنافى مع عقائدنا و ثوابتنا و بصائرنا القرآنية لإفساد الذوق السليم و التصور الراقي و التمكين للفردية و الأنانية و الرفض المطلق لكل ماهو غيبي ، و نسخ الكثير من المثل العليا ، و القيم السامقة التي بشرت بها كل رسالات الأنبياء عليهم السلام .
إن هذا الفهم الخاطئ للفن عموما و دوره في واقع الحياة هو الذي مهد لولادة شعر غامض لا طعم له و لا رائحة بل و يتربص التعقيد بالقصيدة من مطلعها إلى آخرها ، و هذا الغموض و التعقيد ، يقف في وجهك شاهرا سيفه و لا يتيح لك فرصة ولوج عالم الشعر – إن كان هناك عالم أصلا – و أصبح "الشعراء " في هذا الزمن الأغبر يستعذبون حشد كم هائل من المصطلحات و الألفاظ التي تستعصي على الفهم بالنسبة للقراء ، و في غالب الأحيان بالنسبة "للشاعر" نفسه . و هكذا أصبح الغموض و الإبهام و الرمز الغريب من سمات الشعر الحديث ، واختلط الشعر بالنثر ، و الغامض بالمفهوم ، و السهل بالصعب واعتقد بعضهم - أمثال أدونيس – أن الغموض هو القوة المحفزة على ولوج عالم الشاعر ، و أن الوضوح يسلب في كثير من الأحيان تلك المتعة التي يحققها الغموض !؟ إن أمثال هؤلاء " الشعراء " قد برهنوا في الحقيقة على الإفلاس الإبداعي الصحيح ، لأن الغموض لن يمكنهم من الوصول إلى عقول الناس و وجداناتهم ، و الشعر الذي لا يحدث تأثيرا في عقل الإنسان و وجدانه ليس بشعر. و سنسوق هنا اعتراف أحد هؤلاء " الشعراء " بتفاهة ما يكتبه بعض زملائه ، يقول أدونيس : " في الشعر الجديد اختلاط و فوضى و غرور تافه و شبه أمية ، و من الشعراء الجدد من يجهل حتى أبسط ما يتطلب الشعر من إدراك لأسرار اللغة و السيطرة عليها و من لا يعرف من فن الشعر غير ترتيب التفاعيل في سياق ما ، إن الشعر الجديد مليء بالحواة و المهرجين "!
بالإضافة إلى كل ما سبق ذكره ظهرت فئة مرتزقة من الأدباء و الفنانين حادت بالفن عن رسالته السامية في الحياة و قد و صفهم أحد الشعراء خير وصف حين قال :
وهم الجمع ثوب أو رغيف *** و صك من رصيد أو حوالــه
و ألقاب يتيه بها قرود *** و ليس لها معان أو دلالــــه
فخامته هزيل ليس يدري *** بأن الناس قد فضحوا هزاله

و هذه الفئة تتعلق بالأشكال و الأمجاد الزائفة ، وهي في سعي دائب لتحضى بلقب " المفكر " أو " المثقف " أو" أستاذ الجيل" إلى غير ذلك من الألقاب التي يحن إليها ضعاف العقول ، و تصل السفالة بهؤلاء إلى قلب حقائق الأشياء وسط عالم مليء بالضجيج و الخداع ، و يصير الفن أداة هدم وآلة تشويه للحياة ، و لن يكون هذا الفن إلا فنا ميتا لا يتعدى تأثيره حدود زمانه و مكانه لأنه فن طبول دعاية و نفاق و تملق و تزييف و تدليس . و قد يمدح اليوم ما كان هجاه بالأمس ، و قد يهجو غدا ما كان قد مدحه اليوم . و هكذا هم في كل واد يهيمون ، و يقولون ما لا يفعلون ... حتى بدا لقائل : أن وطنه قد ولد من رحم طبلة و أن الناس قد صاروا يتنفسون من زكرة !؟











الفصل الثالث
الفن الإسلامي وشروط الإبداع
يقصد بالفن: "التعبير عن الحال بمختلف الأساليب والأدوات من أدب إلى رسم إلى شعر.. إلى غير ذلك من أساليب التعبير، والفنان إنسان يعبر عن الإحساس الداخلي الذي يحس وينفعل ويتأثر به، فيعبر عن ذلك بصورة من صور الفن التي يجيدها، والفنان الحق هو الذي يختار من الأفكار والأحاسيس التي يجد فيها مظهرا لجمال ظاهر أو خفي، أي يختار ما يوجد التأثر والإنفعال،وتكون الألفاظ والتراكيب التي تؤدي هذه الأفكار والأحاسيس على وجه يثير القراء ويثير السامعين، فيهز مشاعرهم، ويبعث فيهم ما يقتضيه هذا الانفعال من غبطة ورضا، أو سخط وغضب.

كما أن الفنان الحقيقي هو الذي يمثل بفنه مثله العليا ومفاهيمه عن الكون والإنسان والحياة..!؟ وينظر دائما إلى عالمه بالمقارنة مع مثله وقيمه ومبادئه، وكذلك الأديب الحق، والشاعر المقتدر هو الذي يبلغ أهدافه ولا يضيق ذرعا بقيود اللغة السليمة والتراكيب الجميلة المعبرة عن أن تصير وعاء يستوعب أفكاره ومشاعره التي يحسها داخل نفسه، فيساهم بقسطه من أجل رفع الحياة البشرية وترقيتها، ويسعى إلى تحريك النفس لتنفعل بالحياة في أعماقها وتتجاوب تجاوبا حيا مع الأشياء والأحياء ، يقول الجرجاني: « إن من كمال الجمال البلاغي أن تكون مادته الخير والفضيلة ». أجل، فليس الأدب سوى رسالة سامية تنير سبيل الحياة الطيبة التي بشر الله بها عباده المؤمنين بروبيته، وتعرف الناس كيف يهتدون إلى منابع السعادة والمعرفة فيها.. وهل الأديب سوى مبدع يحمل بيده مشعل الحب والحرية المسئولة والتسامح، ويبحث بكل ما في ضميره من شوق وشغف وما في نفسه من نشاط وإخلاص عن مصدر السعادة والمعرفة في الحياة ليهدي إليهما نفوس البشر الحائرة، ويزيل عن وجه الحياة قشور الكآبة والجفاف، ويكلله بنور الغبطة والإنتعاش ؟! نقول هذا القول ونحن ننظر بعين الحسرة والألم لما آل إليه الأدب الآن في مختلف البلاد العربية والإسلامية، إن قصارى جهود الكثيرين من «الأدباء والشعراء» التحدث عن التجارب الخاصة والمفاهيم المنحرفة عن هداية الله، واغلبها يدخل في نطاق المرأة، كما أصبح الأدب يعطي صورة منقبضة متشائمة للحياة طافحة باليأس والألم وقسوة الحياة ، لأنه أدب صادر عن نفس حائرة مضطربة قد اهتزت أمامها السبل، فلا ترى اتساقا في الكون، وإنما عبثا، ولا تنتظر أملا، بل يلفها التشاؤم، إنها إفرازات العبث والعدمية والتّنكر لروبية الله ووحدانيته و يأس من روح الله، وكم نحن بحاجة إلى أدب متفائل يحمل الحب والأمل والدعوة إلى العمل بمقتضى التنزيل الحكيم.
لقد مثل الفن بأشكاله المختلفة عبر الأحقاب التاريخية المختلفة مرآة الأمم ونبضات قلبها وعصارة فكرها وحقيقة وجدانها ومختلف تصوراتها عن الكون والإنسان والحياة، وهذا يجعلنا بحاجة أكيدة إلى تحديد إطار واضح، ومفهوم محدد للفن الإسلامي الذي ننشده، ليكون فنا متميزا واضحا، يعبر عن التصور الإسلامي والحضاري لأمتنا الإسلامية..، حتى نستطيع تقديم هذا المفهوم للناس إزاء المفاهيم الأخرى للفن الهائم على وجهه والسائر في ظلمات بعضها فوق بعض والمتخبط على وجهه في متاهات الحياة ودروبها المدلهمة، فلا يكفي أبدا أن ننادي بفن إسلامي بديل وننشد الإهتمام به، دون تحديد لمفهومه ومعالمه وتصوراته، إن الفن الذي ننشده هو كل فن جميل مؤثر ازدهر في ظل قيمنا ومعاييرنا الإسلامية وثوابتنا الحضارية المستنبطة من القرآن وارتوى بروائها وتغذى من نبعها واعتمد معاييرها، وأشرق على الدنيا داعيا إلى قيم المحبة في الله والخير والجمال والحق والعدل بين الناس، وانتصر للقضايا العادلة وحارب الباطل بمختلف تشكلاته .. بعزة وثقة تامة وإقدام وبأسلوب واضح ولغة عربية فصيحة يفهمها كل الناس. فالفن الذي ننشده هو نقيض الفن الهائم والضائع الذي يتبنى الزيف منهجا للحياة مزركشا بالأكاذيب والمساحيق المضللة عن الحق والعدل، إنا نطمح إلى فن إسلامي نظيف يحارب الغموض والعبث، ويشجب الحيرة والإضطراب والتناقض ونشر الفساد في الأرض، ونندد بكل فن يعمل على إيجاد الصراعات والإحن بين الناس، أو يكرس واقع التخلف والتوحش وحياة الأنعام و عبادة الأشخاص، أو يشكك في شيء أصيل وجميل في ألذات البشرية و فطرتها التي فطرها الله عليها. إن المبدع الفرقاني هو إنسان خير بطبعه، ولديه مجموعة من الثوابت الإلاهية والقيم السامية تدفعه لأن يعمل ويبحث في موضوع ما، ومن أهم القيم التي يمتلكها المبدع المسلم هي الإصلاح والبحث عن الأصالة والصدق والأمانة، وكل الموضوعات التي يعالجها تصطبغ بالقيم الإنسانية الرفيعة التي يؤمن بها ويجسدها في حياته... على عكس الفنان الهائم الضال عن هداية الله الذي يقول ما لا يفعل ويظهر غير ما يبطن ويعيش حياة ضنكا بسبب إعراضه عن الحق و تبنيه للباطل.! وهكذا يصبح الفن وسيلة للبناء والتشييد، والسمو والتقدم، وحافزا للرّوح، ومشكلا للفكر والوجدان والمفاهيم المتطابقة مع الحق والعدل، وباعثا للحيوية والقوة الإيجابية في حركة الحياة الشاملة، وممهدا لطريق السعادة والنقاء والحياة الطيبة المطمئنة، وحارسا لهوية أمّتنا الإسلامية...!
إن الفن الإسلامي فسيح الرقعة، واسع الأرجاء، لأن كل فن سار في فلك القيم الإنسانية النبيلة التي لا تمجها النفس السوية صراحة أو ضمنا كان فنا إسلاميا، وكل فن عالج قضايا وأفكارا بتصور إنساني راق واصطبغ بالمفاهيم الإسلامية الواردة في كتاب الله فهو الفن الإسلامي الذي ننشده لبناء حضارة إسلامية جديدة ومتقدمة عن أية حضارة إنسانية لا ترتكز على المفاهيم القرآنية في بناء المجتمع . وكل عمل يبث الخير في نفوس شبابنا وأطفالنا والأسرة بشكل عام هو عمل إبداعي وحضاري و إنساني يؤجر عليه الإنسان و يمكث في الأرض، وأي عمل فني ينفع الناس ليس فيه فساد ولا إفساد متعمد، وإنما فيه خير نبثه في نفوس شبابنا وأطفالنا وعقولهم ليساعد على خلق جيل يحمل الخير في نفسه، فهو عمل نباركه، والفن إن لم يكن : خادما للمجتمع، مدافعا عن ثقافة الأمة ومفاهيمها السوية وأسلوب عيشها المميز في الحياة ومدافعا عن تطلعات الناس وطموحاتهم وحقهم في الحياة الكريمة وفق المنهج الإسلامي الذي ارتضوه لحياتهم، وتبصيرهم بالواقع، والصدق مع النفس، والتجاوب العاطفي الوجداني مع المشكلات الحياتية النابعة من ممارسات الواقع، ساعيا إلى تغيير البنية المادية والنفسية لأفراد الأمة، فاعلا بنجاعة في تطور المجتمع ومساهما في أداء الناس لمسؤولياتهم، رافضا لكل أنواع القهر والإستبداد والإستغلال و الإستفراد بالسلطة، قائدا للأمة إلى أهدافها الرئيسية في الحياة.. فليس بفن. إن أولى مهمات الفنان المؤمن هو مواجهة أوضاع التخلف والظلم والإستبداد والتسلط والطغيان و تعريتها أمام الوعي الجمعي و الدعوة إلى تغييرها إلى الأفضل والأمثل والتخلص من قيود المرض والجهل والتمييز الطبقي والطائفي، والتفتح على القيم الإنسانية النبيلة في العالم والإرتفاع بمستوى المجتمع والأمة لتتناسب أوضاعها مع مبادئها الحضارية والإسلامية التي تحفزها لبلوغ ما وراء العرش تطورا وتقدما وازدهارا، والنفاذ من أقطار السماوات والأرض...!
إن هذه المهمات التي ندعو لأن يبشر بها الفنان الفرقاني المسلم في أدبه ومسرحه ورسومه ومختلف الأشكال الفنية التي يحسنها، هي التي ستجعله فنا متميزا جديرا بنيل احترام الناس بوصفه يتبنى قضاياهم ويعالج مشاكلهم ويساعدهم على تبين طريق الحق والسعادة والفلاح.

لقد قام الفن الإسلامي منذ بدايات الدعوة الإسلامية بمهمات جليلة في التمكين لقيم الإسلام ومبادئه السمحة و معاييره الإنسانية، وظهرت آثار التصور الإسلامي في المدينة المنورة، ونجحت التجربة الإسلامية نجاحا باهرا حين قدمت لنا وللعالم كله روائع الشعر الإسلامي القديم، ولقد عبر الشعر – ديوان العرب الأول – عن أدق خواطر الإنسان المسلم ومشاعره، وأزماته وهمومه، وحيرته وقلقه، وسخطه وتمرده، وموقفه من الحب والغربة والموت، وتأملاته في الكون والطبيعة، وتعاطفه مع الحيوان، ورثائه للطيور الصادحة، وحنينه إلى الأوطان، وتمجيده للقيم النبيلة، وتصويره للبطولات الملحمية...، إلى غير ذلك من التجارب الشعرية الرائعة. كما استخدم الأدب كوسيلة في تهذيب الأخلاق وتربية الضمير وهداية العقول إلى الحق والخير وفي هذا يقول حسان بن ثابت:
إذا الشعر لم ينشر مكارم قومه ** * فلا حمدت منه المكارم مشهدا
ويقول زهير بن أبي سلمى:
وإن أحسن شيء أنت قائله ** * بيت يقال إ ذا أنشدته صدقا

فالحضارة الإسلامية لم تفصل في يوم من الأيام بين النواحي الجمالية في الفن والمضامين الراقية التي ترتفع بفكر الناس وأذواقهم وتجلب لهم الفائدة و المغنم في حياتهم وتخضع لهم الدنيا ذليلة لأنهم عرفوا حقيقتها من خلال الحكم والأمثال والقصص التي تبثها مختلف الفنون في نفوسهم، يقول عبد القاهر الجرجاني في (أسرار البلاغة ج 2 ص 133): « المقصد الأسنى للشعر هو تنمية الذّوق السّليم بحكمة يقبلها العقل وأدب يحسب به الفضل وموعظة تروض جماع الهوى وتبعث على التقوى وتبين موضع القبح والحسن في الأفعال وتفصل بين المحمود والمذموم من الخصال ».
ويشدو أبو تمام:
ولولا خلال سنها الشعر ما درى
بغاة العلا من أين تؤتى المكارم

واستمر هذا الفهم الصحيح لمهمات الفن الإسلامي والأدب المصطبغ بالمفاهيم القرآنية .. وأنتج تيارا فنيا مباركا ظل متدفقا في مختلف العصور الإسلامية، حتى أطلت علينا رؤوس الفتن في حياة هذه الأمة بنزعاتها العنصرية، وشعوبيتها وقومياتها الحديثة، وكان السبب الرئيس والمباشر في ذلك فتور المفاهيم الإسلامية و الرابطة الدينية الصحيحة التي كان لها الفضل في عزة المسلمين وقوتهم وازدهارهم. ولا عجب بعد ذلك أن أصبحنا نرى في العصر الحديث أفرادا يحملون القلم ويخطون الكتاب ويدبجون المقال والقصة والقصيدة...، بيد أنهم منفصلين عن كيان الأمة الإسلامية وضميرها و متصادمين مع معاييرها القرآنية!!

لقد شهد النصف الثاني من القرن الماضي تحركا إنسانيا ملحا في سبيل البحث عن ألذات، وتحديد الهوية البشرية الحقة، ونفض الغبار المتراكم على الأذهان والقلوب بعد أن شعر الفرد بالتمزق والضياع، واختنق العالم كله فكريا وروحيا بمنطق العصر الآلي الصناعي ،بل وأصبح الناس يوصفون بالرجال الجوف، ويشبهون بتماثيل مليئة بالقش تصيح قائلة:
نحن الرّجال الجوف *** حشينا بالقش ." (- نقلا عن كتاب « اليوت» للدكتور فائق متى ص155")

وفي ظلّ هذا الواقع الجديد الذي صار إليه الإنسان بسبب بعده عن هداية السماء يبقى: (العامل الإلاهي وحده، هو الذي يستطيع أن ينتصر على العزلة، وأن يجعل الإنسان مدركا للشعور بالألفة والصلة ومتوخيا غاية جديرة بوجوده (-" نيكولاي برديائف : العزلة والمجتمع ص121 – ترجمة فؤاد كامل – مكتبة النهضة المصرية – القاهرة 1960،" ) لذلك ينبغي أن يكون التصور الإسلامي هو الذخيرة التي يستمد منها الفن الفرقاني موضوعاته ومجالاته، ثم تعمل البراعة الفنية عملها، فتخرج من تلك المفاهيم في شتى مجالاتها فنونا جميلة رائعة، بمقدار ما تطيق الفهم والتلقي والإكتشاف، وبمقدار ما تتفتح بصيرتها لارتباطات الكون والحياة والوجود، فالكون خلقه الله من عدم، وكل شيء فيه موجه بقدرته وعنايته سبحانه وتعالى، وهو في حركيته يخضع لقانون أزلي واحد ويتجسد فيه التكامل والتعاضد وتحدث فيه جملة من التطورات التي لا تصطدم مع المشيئة الإلاهية، وقد كرم الله الإنسان وجعله خليفة في الأرض ليقيم العدل اعتمادا على الميزان – ميزان القرآن – وهو مسئول على عمارة الأرض وإنشاء الحضارة، والبشر كلهم من آدم وآدم أصل خلقته من تراب وأحب البشر إلى الله انفعهم للناس إذا ما قصدوا بأعمالهم التقرب إلى الله ، وما الشريعة إلا وسيلة ليعرف الناس دورهم في الحياة ولكي لا يتيهوا عن طريق الحق والرشاد. فالفن الفرقاني هو الذي سيبشر بالرؤية الشاملة للإسلام التي تملأ فراغ النفس والحياة، وتستوعب الطاقة البشرية في الشعور والعمل، وفي الوجدان والحركة، فلا تبقي فيها فراغا للقلق والحيرة، ولا للتأمل الضائع الذي لا يحقق سوى التسيب والعبث.

إن الفنان الفرقاني مطالب بالبحث عن الحقائق الوجودية وأن يعيها جيدا، ويحاول الغوص وراء أسرارها ورموزها، ويبحث عن النماذج الإنسانية والتحركات الجماعية التي تؤكدها وتبلورها، حتى ينطلق في مسيرته نحو الخير والكمال والجمال. فهو اقدر الناس على نفع المجتمع الإنساني والسير به في الطريق الصحيحة لتحقيق المطامح الإنسانية المشروعة في هذه الحياة، لأن منهاج حياته منضبط بالصدق والتعاون مع الآخرين، وبواجبات كثيرة ومتنوعة نحو نفسه ونحو الآخرين، وكذلك نحو المجتمع الذي يعيش فيه، ويحيى على أمل أنه «لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون» وهو قوي أمام إغراءات الحياة المختلفة، فلا يقع في الحرام، أو ينزلق إلى الرذيلة، ولا يحني رأسه أمام الفساد والظلم وشراء الذمم، رافعا راية العدل والقوة والمحبة والوئام لإخراج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
إنه من الخطورة بمكان أن يقتنع بعض المبدعين في ديارنا الإسلامية بتفوق الثقافة الغربية على ثقافتنا الإسلامية فيلجئون تبعا لهذه القناعة إلى اتخاذ الغرب قدوة ومثالا، ويستبطنون مدارسه الإبداعية المختلفة، ومفاهيمه عن الحياة يقيسون بها إبداعاتنا ونتاجاتنا الفنية..، إن مثل هذا العمل يسقطهم أولا وأخرا في التقليد الذي يتنافى تماما مع العملية الإبداعية، لأن التقليد يمثل العدو الأول للإبداع، كما أن استحضار مفاهيم الغرب في كل خطواتنا واعتباره سباقا في كل المجالات الحياتية يضعف من همتنا، ويميت تحفزنا للإبداع واختراق الآفاق، لأن المرء إذا ما أدرك أن هناك من سبقه إلى درب من دروب الحياة واعتقد بعدم إمكانية الإتيان بشيء جديد، يفتر عزمه، ويتلاشى حزمه في تقديم التضحيات الكافية لبلوغ ذلك الدرب المقصود، على عكس ما إذا كان سباقا لاكتشاف جواهر مطمورة، ولآلئ مكنوزة، وتحف لم تر العين مثلها من قبل، فان نفسه تكون في توق، وقلبه في شوق، لتقديم كل غال ونفيس ليفوز بقصب السبق في الإكتشاف الجديد وبلوغ الهدف المراد ونيل كل عجيب متسام، ولقد أدرك أجدادنا من المسلمين هذا السر في الإبداع فصنعوا المعجزات فكرا واكتشافات، وبهروا نفوسا كرعت من ينابيعهم الثرة وبحارهم العميقة المليئة بكل رائع وجميل ومؤثر عجيب، وانتقلت آدابهم إلى أوروبا عبر الدردنيل والأندلس وصقلية وغيرها...، وعلى ورثة هؤلاء الأفذاذ أن يواصلوا مسيرتهم في البناء والتشييد والإبداع.. ولقد جاء في مادة بدع ما يلي :« بدع، بدعا الشيء: اخترعه وصنعه لا على مثال، والبدع المحدث الجديد، والبدعة ما أحدث على غير مثال سابق» ﴿". منجد الطلاب ص24 – 25") والفن إبداع لأنه يبدع ما هو جديد، ويجعله يظهر للوجود فجأة، كأن المرء يراه لأول وهلة، ولا بد من الإشارة إلى أن الفنان لا يقوم بخلق العمل الفني، لأن الخلق هو عملية الإيجاد من العدم، وإطلاق صفة الخلق على عمل الفنان يعتبر تجاوزا لحقيقة العمل الذي يمارسه الفنان. فالله وحده خالق كل شيء في الوجود. إن أقصى ما يستطيعه الفنان هو: تركيب الصور والمفاهيم والمعاني التي خلقها الله، بشكل جميل ملفت للانتباه، ومؤثر، أي بشكل بديع يحسبه الناظر إليه أنه يراه لأول مرة، فالرسام مثلا يختار بعض المشاهد الكونية التي خلقها الله ثم يقوم بتركيبها بصورة جميلة ملفتة للانتباه، وتحدث العجب والدهشة في نفس المشاهد، محاكيا في رسم هذه المشاهد حقيقة المشاهد الكونية المخلوقة، ومصبغا عليها المفاهيم التي توصل إليها خلال مسيرته الوجودية، إن المعاني والمفاهيم هي أيضا قد خلقها الله مع خلق الإنسان، ومهمة الإنسان اكتشافها والبحث عنها في المخلوقات الكونية أوفي الكتب السماوية الصحيحة ، غير المحرفة التي تضمنت تلك المعاني والمفاهيم. إن أقصى ما يمكن إن يطمح إليه الفنان المبدع هو تحقيق السبق في اكتشاف المشاهد والصور والمعاني الراقية الجميلة والجليلة وتركيبها بصورة مؤثرة وممتعة لتقريبها من البشر حتى يتمتعوا بجمالية الصور والمعاني التي من شأنها أن ترقى بأذواقهم وأفكارهم وتسمو بسلوكهم وأخلاقهم . وهذا الفهم لرسالة المبدع / الفنان المسلم يجعلنا نلح على ضرورة توفر المضمون الهادف في كل الأشكال الإبداعية وأن تحتوي نتاجات المبدع على القيم الإسلامية النبيلة والمبادئ السامية من أجل رفع الحياة البشرية وترقيتها إلى مستوى التكريم الإلاهي للإنسان . فالفنان إنسان واع بدوره في الوجود، يسعى بفنه إلى تحريك الحواس المتبلدة لتنفعل بالحياة في أعماقها، وتتجاوب تجاوبا حيا مع الأشياء والأحياء، فقيمة الفن تظهر فيما يقدمه للحياة والناس من خير، وما يبشر به من قيم عليا ومثل سامية وما يدعو إليه من أخوة وتراحم وعدالة ومحبة بين الناس ليتعارفوا ويعيشوا في أمن وسلام، ويدلهم على الطريق ويأخذ بأيديهم إلى العزة والفضيلة، إن الفن موهبة من الله يحدث به صاحبه ثورة فكرية تضرب الأوضاع الفاسدة، وتملأ النفوس تذمرا وتطلعا دائما إلى الأفضل، فهو وسيلة للدفاع عن الحق والإنتصار له وإذاعة الفضيلة ومحاربة الشر في كافة صوره ومقاومة الظلم وأصحابه ومن يمشون في ركابه...!

فأمام الفنان المسلم إذن حقول خصبة للإبداع والعطاء وخاصة في مجال القوة الذاتية التي تحفظ القيم السامية والمبادئ النبيلة في نفوس الشرفاء المؤمنين برسالتهم في الحياة جيلا بعد جيل، ولعل من أعظم الأشياء قيمة « الأمل»، حيث لا تموت الأماني، أو يتطرق اليأس إلى النفوس في أحلك الأوقات وأحرجها، ولا يقع الفنان المؤمن برسالته فريسة الخوف أو الخشية إذا ما قارن قوة أعداء أمته المادية بقوته، المهم أن يمضي قدما في مسيرته الخالدة مهما كانت التضحيات جسيمة :« إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي...» وهذا يجعل مقاييس النصر أو الهزيمة، ومقاييس القوّة والضّعف تختلف وجهة نظر الفنان الفرقاني المسلم إزاءها عن وجهة نظر الآخرين باعتباره يستمد كل مفاهيمه عن الكون والإنسان والحياة من القرآن الكريم. وهكذا يصبح الفن المنشود هو الذي يقوي الذات وينميها ويكملها، فالفن يجب آن يكون إنسانيا يخاطب في الإنسان سموه، ويركز على جانب القدرات الإيجابية فيه، والتي تنسجم مع مهمته فوق الأرض، والتي تحقق مبدأ الإستخلاف، ما دام الإنسان مستخلفا، إنه إضاءات وجدانية، وإشراقات عقلية في الوقت نفسه تستهدف الإنسان كأعظم مشروع يتحقق فيه التصحيح و التغيير.

إن المضامين الهادفة والراقية إذا لم توضع في قوالب جمالية مؤثرة تفقد جزءا من قيمتها ويصبح تأثيرها محدودا، لذلك يصبح من شروط إبداع الفن الفرقاني تهيئة اللقاء بين الجمال والحق، فالجمال حقيقة في هذا الكون الذي أبدعه الله كأحسن ما يكون..! والحق هو ذروة الجمال، من هنا فإنهما يلتقيان في القمة التي تلتقي عندها كل حقائق الوجود، والفن بهذا المعنى هو التعبير الجميل عن حقائق هذا الوجود اعتمادا على مواهب ناضجة، وأسس فنية واضحة، مؤثرة، فالفنان المسلم يجب أن يكون وسيطا بين الوجود والتعبير ويقف في موضع الوفاق والتناغم الذي يحيل كل شيء إلى لحن جميل، وأن يبتعد قدر المستطاع عن عيوب الخطابة والتقريرية، وجمود الشكل، ونثرية العبارة، وبهوت الصورة، بشرط أن لا يطغى الإحساس بالجمال عن الفكرة الملتزمة بقضايا الوجود والحياة والمصطبغة بصبغة الإسلام وثوابته . فلا بد إذن من اتخاذ العدة الفنية التي تستطيع تقديم الفكر النظيف في صورة موحية مؤثرة، وأن يسعى الفنان إلى استغلال الجوانب الفنية والنفسية والتأثيرية في الفن لاجتذاب الفطر السليمة.. وإقناع العقول السوية، والتغلغل إلى أعماق الوجدان الحي، للخروج بالإنسان إلى نطاق الفعل المتبصر، والحركة الواعية، والتغيير الإيجابي، وإيجاد مجتمع الخير والعدل والفضيلة مع الإنتصار على سلبيات الفكر والسلوك.
إن المزاوجة بين الجمال والحق أي المزاوجة بين الشكل والمضمون بصورة مبدعة تتطلب الإقتدار على الضبط، والبراعة في إحسان التحرك وإجادة التصرف في أضيق المساحات والمجالات، وأدق الأطر دون المساس بها، أو خدشها وتشويشها أو المروق منها. والإقتدار على الحركة داخل هذا الإطار الضيق المحدود هو المقياس أو المعيار الذي نفرق به بين الصادق والدعي، وبين الأصيل المتمكن والدخيل المتطفل. فالطفل الذي لم تنم مهاراته، تعطيه الصفحة الكاملة ليرسم فيها شجرة فيحتج بصغر المساحة التي لا تتسع لرسم شجرة، وتعطي عشر معشارها لفنان مقتدر، فيعطيك فيها عالما متكاملا يضج بالحياة، وينضح بالفتنة والجمال...

والفنان المبدع يدرك جيدا أن الفن لا يقوم على تصوير الحياة كما هي، بل لا بد من تدخل الفنان الذي يقوم باختيار أهم العناصر وانتقائها من واقع الحياة ثم يعيد ترتيبها ويخلع عليها من ذاته المسلمة وخياله وتفسيره مم يجعل تلك العناصر عملا فنيا محكما، فيه يمتزج الواقع بالخيال بما لا يشوه ذلك الواقع أو يفقده واقعيته ولبابه، فالفن الفرقاني المنشود لا بد أن يكون مرتبطا بالحقيقة والواقع متميزا بأسلوبه ومضمونه وغايته ويقصد منه أولا وأخرا تحقيق الموعظة الحسنة والعبرة ودفع الناس للتفكير في حكمة الله وربوبيته، وأن يبتعد قدر المستطاع عن الغموض والإبهام، ويحرص على تحقيق الإشباع العقلي والوجداني دون حيرة أو إبهام، حتى يمهد ذلك السبيل لرحلة جديدة من التفكير والتذكر واتخاذ موقف واضح من الوجود.



































نماذج شعرية و قصصية من الفن الإسلامي المنشود
النهار بأحشاء الدجى يثب

(شعر)


قالوا استرح من شقاء ما في الشقاء إفادة
حطم يراعك تسلم واسلك سبيل البلادة
المسلمون نيام و الذبح أصبح عادة
و ليس فينا "صلاح" يعيد روح القيادة
في كل شيء فساد و أنت تدري فساده
اليأس خير دواء لمن يطيل سهاده
فقلت خلوا سبيلي لستم كراما و سادة
المرء ليس بحر إن خان يوما بلاده
أخلصت لله ديني فما عرفت الهوادة
ما الدين إلا جهاد و عزة أو شهادة
إسلامكم فاحفظوه واسترجعوا أمجاده
تطهروا من فساد وليحيي كل فؤاده
--------
رسول الهدى رائد للفلاح لمن سار في دربه و ادكر
أيا أمة الخير .. دين النبي بمنهجه يعاد الظفر
بغير شريعة رب السماء سنبقى نهيم بواد الخور
--------------
مهما دجا الليل فالتاريخ علمني أن النهار بأحشاء الدجى يثب
متمسك بكتاب الله معتصم و الريح حولي و الأوثان و النصب
-------------
فعش بعقيدة الإسلام حرا و كن كالنسر في قمم الجبال
و مت في ساحة الأحرار تحيى شهيد الحق رمزا للنضال
























إلى تونس المحبة... و في القلب شوق!!
(شعر)

أنت البهاء ............. يموج في أحداقنا
أنت الصفاء .......... يجول في أعماقنا
أنت السخاء .......... يفيض من أعمالنا
أنت العبير .......... يفوح من سمائنا
تونس أنت مؤنستي و رفيقي
فيك بدائع شتى من كل فن رشيق
هاأنذا جئت لألقاك في السكون
العمــــــــــــــــــــــــــــيـــــــق
حاملا لك من كل محدث و عريق
ألقي به تحت قدميك في لهفة
المـــــــــــشــــــــــــــــــــــــوق
واضعا حول طوقك تاجا ووشاحا
لقدك الممشـــــــــــــــــــــــــــــــوق
بهاؤك تجلى في رونق الشباب
الأنـــــــــــــــــــــــــيـــــــــــق
فيه الخير تبدى و صفاء البريق
شباب يصنع الأمل في صورة الغد
المــــــــــــــــــــــــــــــــرموق
شباب يعشق الخير و يسمو لكل
معنى دقـــــــــــــــيـــــــــــــق
للفناء تصدى و سكب دماء
الرحيــــــــــــــــــــــــــــــــق
فليسمع الكون ... بأنك لن تكوني
لـــــــــــــــــــــــــغيــــــــــرنا
أبدا...و لن يعلو على كتفيك إلا
حبنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
هذي تونس بحارها......و ترابها
ملك لــــــــــــــــــــــــــــــنا
وهي الــــــــــــــــــردى
لمن اعتـــــــــــــــــــدى
















(شعر) فلسطين
أنت جرح ينزف من جسدي..!
أنت قطعة من كبدي ..!
فلسطين الوفاء
يا أرض العروبة و السلام..
ابعثي لكل بطل مقدام ،
بفرح الأطفال و الأحلام ..!
قولي له : ‹‹القدس عروبتنا
و ديننا الإسلام.. !››
قولي له : ‹‹ أغنية خضراء
بدون كلام .. !››.














حديث البحر
قصة قصيرة

كان لي صديق، استأثرت به النشوة أياما، ثم مضت حماسته تفتر و نشوته تخبو، بيد أنه لم ينكص على عاقبيه و بقي به شيء مما كان ، أقصده كلما ألم بي كرب و اشتد علي حزن ، أطلب السلوى بحكايته التي يرويها و مغامراته التي يتقن صياغتها في كلام مشوق و حديث منمق، حالما رآني قادما إليه اهتز صدره فرحا و قال بصوت ينم عن السرور :أين أنت يا رجل !؟هل نسيت عشرتنا بهذه السرعة ؟! ثم استدرك قائلا: ‹‹أعلم أن مشاغل الحياة كثيرة ، لعن الله هذه الدنيا التي جعلتنا نجري وراء لقمة العيش ليل نهار دون أن ننال مبتغانا، الحياة صعبت و قل راكبها و فرقت الشمل بين الأصحاب و الخلان .›› وطافت بالرجل الذكريات اللذيذة فعاوده الحنين إلي صفو الحياة و جمالها، ثم أمر بإحضار الشاي، و تهالك علي أريكة و وثيرة و جلست قربه ثم بدأ في ثرثرته المعهودة و قال بحماسة و فخار: ‹‹كنت أهوى البحر و أركب في سبيل بلوغه الأهوال و الأخطار.. لذ لـ" قريبع" ، صديق العمر الذهاب معي إلي البحر ، وقد اشتد الحر و ذهب الريح و القر، الصائفة اشتدت حرارتها و الأجساد قد تعرت، و السواعد قد نشطت و الغرف قد اكتضت و قبلت .. و النفوس لمرماها طمحت …أراد " قريبع" في أيام صباه ـ و قد غرم غرما بساعده، حتى اشتد بلاؤه ـ أن يجد لنفسه مأوى يرفع به عن النفس و يذهب الحر و القلق ، فركب سيارة استأجرها وركبت معه ، ووصلنا البحر فطالعنا كل جمال و كمال ... نسيمات عليلة اعترضتنا و تملقتنا ... و طيور في الفضاء سابحة و لرب السماء شاكرة.. السماء زرقاء صافية و النجوم آفلة بعدما قضت الليل ساهرة و على راحة الإنسان عاملة ... البحر ليس له حدود والماء لا يعرف له ركود .. و السماء تتسع منذ عهود... فسبحنا من وضعها بغير عمد و أقامها بغير قد، فأعانت البحر على الجزر و المد، نظرت أمامي فإذا السماء و الأرض مطبقتان كأنهما منذ القديم متعاشرتان و لحماية نفسيهما متعاونتان ، و حملقت أمامي فإذا الماء هناك أزرق و هنا أبيض فعجبت لهذه الحال !! و علمت فيما بعد ... أن أبصارنا تخدعنا و لعقولنا المرجع و المنقلب ؟!
حملنا أمتعتنا عل الشاطئ و بالقرب من أمواج البحر فرشنا و تمددنا ننعم النظر في النهود و نتأمل الخدود التي أقبلت من كل الجهات و الحدود ... فبدأ الحمام لمرآنا يسرح و لنا يمرح ... فعشقت ذات الوجنات الحمراء والأغصان البيضاء و القوام الممشوق و الحبال الطويلة السود، والتي حرثها بان ونادت بأعلى صوتها : إلي يا أصحاب المعاول والفؤوس ، فشكرت الشمس علي تركها اللحم تحت أشعتها ينعش و العيون بالجمال تنعم بدون قيود ، و تمنيتها أكلة شهية قرب أمواج البحر، و تمنى صاحبي أخرى على الفراش الوثير تمددت و علي ظهرها و بطنها تقلبت كتقلب السمك في البحار و الوديان ؟! و أقسم صاحبي أنه لم ير مثلها أكلة في عز الصيف فغمز صاحبي و غمزت و في بيت مهجور تم ما تم و أفرغنا الجيوب من النقود.. و تمنيت و تمني صاحبي لو هدمت السدود التي سطرت بالحدود و القلم الممدود حتى ننعم بالحرث دون عقود .. وقلت لـ"قريبع : ‹‹هذا يومنا فلا نفرط فيه ،و قصدنا مجلس العم طاهر و قد جعله صاحبه لسراة القوم مقصدا ليشربوا النبيذ و يرقصوا حتى الثمالة . و قبل أن ندخل المجلس لمحنا العم الشاذلي بوصيد دكانه جالسا و على سحنته هم ، و غم ، فخلنا أن ماله ذهب و بقي في نكد ...! فصارحته بذلك، رفع رأسه حيرة و تنهد من الأعماق و قال و هو يتمالك أنفاسه المضطربة: ‹‹ لقد ذهبت الحرة بعد أن تركت في نفسي غمة ››. فقلت مواسيا :‹‹لا عليك فالنساء في الوجود كثرة و صيدهن أيسر من شرب الخمرة ، فالنفس له اشتاقت و لنبيذه تشوفت و ارتاحت ، فانفرجت أسارير وجهه و تنهد مسرورا و قام و أغلق الدكان و انصرفنا ...!
و لما اقتربنا من المجلس رأينا الليل قد ذهب ظلامه، و تلألأت نجومه و أنواره .. و تصاعد في الجو البخور من القدور ، و تعالت الأصوات و عم الضجيج و الصياح و انتابني شك في المجلس المقصود ، فهرول العم الشاذلي و هرولنا خلفه و تسابقنا للجنان : خدر الأكواب الموضوعة ، و النمارق المصفوفة ، و الزرابي المبثوثة و الحور العين .. و اللحم المشوي.. رائحة زكية بعطر و زنود ونهود بيض نقية ... و ...
و دخلنا و دخل العم الشاذلي ... و رفع على الأعناق .. فالجميع صحبه و بشذى أقاصيص غرامه و مغامراته تغنوا و ترنحوا .. قال العم الشاذلي مسلما :‹‹حياكم الله معشر الشباب ›› . و رد الجميع بحماس فياض: ‹‹ حيــيــت يا عم ››.! ثم أخذ العم الشاذلي مجلسه و جلسنا . و عاد العم الشاذلي يقول هاتفا بصوته الأجش: ‹‹إلي أيتها المليحة، هات الكؤوس التي تحيي النفوس و اسقي أهل المعاول والفؤوس ››.هرولت أحداهن و قدمت الشراب في الكؤوس فاشرأبت إليها الأعناق و النفوس، فتسلمها العم الشاذلي و أجلس المرأة أمامه و أشربها النبيذ لتسقيه من خمرها اللذيذ ، ثم ارتمي عليها لتبادل الحلو و المر، ثم مد الكأس و صب الخمر على الرأس، فاشتد الغيظ بالمرأة و نهرته، و قربت إليها ‹‹قريبع›› و قد كان يتفحش مع إحداهن فغضب العم الشاذلي و امتلأ حنقا و قال بحدة و هو يتميز من الغيظ : ‹‹لا عبثن بالمجلس يا غواني ›› فقالت المرأة تستفزه :‹‹ دع لي هذا الشاب يا عم ، فساعده بقوة الشباب معمر ، و أنت أفقدتك النساء صلابته، فتهرأ ..!؟
فازداد غضبه ، و امتلأ صدره حنقا و قال بصوت رفيع : ‹‹هاكم المال يا معشر "القــــ" ..! و أخذت الدنانير تتناثر عن يمين و شمال ، و كثر الصخب و اللغط ..!
و تسابقت النسوة الحاضرات لجمع المال و العم الشاذلي واقف يضحك و يقهقه... ؟! رن الجرس
ليعلن انتصاف الليل ، فترنحت الرؤوس ، و ذابت القلوب .. ثم خرج العم الشاذلي و خرجنا .../













صديق العمر قصة قصيرة
استيقظ عبد الحميد قبل أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود على غير عادته .. تململ عن يمين و شمال .. ثم شخص من النافذة و جعل ينقل طرفه الشارد فيما يحيط به و حاول أن يعود إلى النوم ، لكن دون جدوى .. تساءل بينه و بين نفسه : ما الذي أيقظني مع هذه الساعة المبكرة ؟ثم تذكر فجأة : آه نسيت أن أحفظ الآيات التي كلفني بحفظها المؤدب لهذا اليوم ... يا إلهي ما الذي أصابني ؟ هل هرمت ذاكرتي بعد ؟!
و طفق يحدث نفسه و يقول : " لا يا عبد الحميد .. إن حافظتك قوية و إلا لما فزت بثقة المؤدب .. ؟! لكن لعن الله الإرهاق ... لقد قمت بعمل عظيم بالأمس .. أنسيت أنك بقيت تجمع الزيتون مع أمك كامل اليوم.." ؟!
و عاد الهدوء إلى نفسه و سرى الإرتياح في كامل بدنه .. فاستعاذ من الشيطان الرجيم ، واستجمع قوته لينهض من فراشه الدافئ . ملأ الإبريق ماء ليتوضأ للصلاة و هم بتشمير ساعديه ، إذ سمع طرقا خفيفا على الباب . فتساءل : " من يكون الطارق يا ترى ؟" و لم يطل انتظاره حتى سمع صوتا جهوريا يدعوه قائلا : "هيا يا عبد الحميد .. ألم تتهيأ بعد لنذهب إلى المسجد ؟! فرد عبد الحميد قائلا : "أهلا .. رضا.. هل حان وقت الصلاة بعد ؟!.
فرد رضا بصوت فيه كثير من التعجب : " يظهر أنك نسيت ، لا بأس .. سنذهب قبل صلاة الفجر .. لنحفظ معا الآيات التي كلفنا بحفظها المؤدب بالأمس .. ؟!
فقال عبد الحميد معتذرا : "العفو يا رضا .. بعض الدقائق .. لأخرج معك .."
الليل لا يزال يلف بكلاكله أرجاء القرية الساحلية .. صمت رهيب يخيم على الشوارع و الأنهج الضيقة .. يخترقه من حين لآخر عواء الكلاب و صياح الديكة .. و نقيق الضفادع .. خرج عبد الحميد ملتفا في سترته .. و أخذ يسير جنبا إلى جنب مع رضا و أخذا يشقان شوارع القرية ، الرذاذ كان يتساقط ..
أخذا الطيفان يهرولان حتى بلغا المسجد .. سلما الإثنان على العم وناس المكلف بتنظيف المسجد .. ثم نزعا أحذيتها و دخلا و لم يفترقا إلا عند بداية بزوغ الشمس .
لا أعرف بالضبط ما الذي كان يشدني إلى عبد الحميد ،إبتدأت علاقتنا بتنافس شديد على حفظ القرآن .. كنت أغبطه على العناية التي يوليها له المؤدب دون سائر أقرانه .. أجل كان ما يتمتع به عبد الحميد من قدرة عجيبة على الحفظ و النطق السليم .. خليقا بأن يجلب له حب المؤدب و احترام أقرانه و غيرة البعض منهم ، و ليس من شك في أنه كان يعلم كل ذلك و لكنه لا يبدي تجاهه أي اهتمام .. كان همه منصبا على طلب العلم .. لا غير ، و تحسين زاده المعرفي ..وهو إلى ذلك يعرف حق المعرفة أن الإهتمام بمثل هذه الأشياء مضيعة للوقت و صارفا له عن الهدف الذي رسمه لنفسه :" أن يصبح كاتبا يساعد بني جلدته على تلمس الحقيقة و بلوغ أعلى القمم،
إن أراء الناس لا تكاد تسمو عن الخرافات و المعتقدات الساذجة ، و ليس من شك في أنه رأى بأم عينيه كيف يتقاعس بعض أقرانه في المدرسة عن المذاكرة ثم يذهبون ليلة الإمتحان إلى مقام الولي الصالح" سيدي بوعلي " بجهتهم ، يتضرعون له كي ينقذهم من الرسوب . كان ينظر إلى كل هؤلاء بعين التهكم و الإزدراء و الإحتقار و لكنه لا يجاهر بذلك ، إنه يعرف خطأ مسعى هؤلاء و سذاجتهم و يدرك ذلك كله جيدا و لكنه فضل الصمت ، إن جل سكان القرية، برجالها و نسائها .. و أطفالها يلجئون إلى مقام الولي في أوقات الشدة يلتمسون مساعدة و يطلبون مخرجا في ذل و مسكنه ، و مهما يكن من أمر فليس الوقت مناسبا للبوح بما يختلج في صدره من إنكار لهذه الحماقات الجماعية .
و لكن هذا لا يعني أنه لم يسر لأمه العجوز بما يراه في شأن استنجاد الناس بالولي الصالح و خنوعهم لصنوف الدهر تصنع بهم ما تشاء ، و قد حذرته أمه مرارا من الإفشاء بمثل هذا الرأي الذي ينضح ردة عن تقاليد أهل القرية و معتقداتهم . و لعل هذا ما جعله برما بكل شيء حوله ، ينظر بعين الإرتياب لكل ما يقع في القرية من طقوس و ما يشاع من أراء ، و لعل برمه هذا هو الذي دفعه إلى مزيد التحصيل و الكرع من العلم أصنافا و قنع بلغة الصمت حتى يحين أوان الكلام .
عرفت عبد الحميد لا يعترف بالعجز أو المستحيل ، يثق في قدراته إلى حد الغرور ، يردد باستمرار: " يوجد لكل مشكلة حل ، نحن الذين نوهم أنفسنا بالعجز فنعجز ؟!"
كان يشق طريقه بثبات عجيب ، هو الوحيد بين أترابه الذي ارتقى إلى الجامعة دون رسوب . كل من في القرية كان يشهد له بالتفوق و الذكاء .
" أسباب التخلف".. " الشرق و الغرب".. " حركة الإصلاح و الحضارة الغربية "، " طريق النهضة " ... قضايا شغلت ذهن عبد الحميد منذ كان تلميذا يافعا،كان قولي له : "عش كما يعيش سائر الناس "خليقا بأن يستفزه و يغضبه، فأبتسم له و أواسيه قائلا : "إن اهتمامك بهذه القضايا لن يجديك نفعا ... خالط الناس و ستقتنع أن شعبنا لم يبلغ سن الرشد بعد ، إنك كمن يريد إحياء الموتى أو الحرث في البحر .." ؟!. فيرد علي بلهجة لا تخلو من عتاب و تأنيب : " الحمد لله أن لم يكن كل الناس مثلك و إلا لحقت بنا الطامة الكبرى!"
كنت أغبطه على صبره و قوة شكيمته ، كلما حاولنا صرفه عن هذا الطريق الوعر ازداد إصرارا و عنادا ، و يهز عبد الحميد رأسه حيرة بعد إطراق و يقول بلهجة جدية : "إن شعبنا شعب عظيم، و لكننا فرطنا فيه و تركناه يسير على غير هدى.
كنا نعجب من سرعة بديهته واطلاعه الواسع على التاريخ القديم و الحديث و إلمامه بمجريات الأحداث في العالم . كانت له قدرة عجيبة على تغيير مجرى أحاديثنا ، يزرع الأمل أين ذهب ،بل يحول اليأس إلى أمل .. و يردد دوما : ‹‹ إن مصاعب الحياة و مشاقها تصنع الرجال ›› مؤكدا : ‹‹ أن اليأس يعني الموت وليس أمام القانطين إلا الموت ، يجب أن نأمل لأن الأمل يعني الحياة ... ››! أسمعنا يوما قصيدة يقول فيها مخاطبا فلسطين: ‹‹
فـــلسطــــــــــــــــــين
أنت جرح ينزف من جسدي..!
أنت قطعة من كبدي ..!
فلسطين الوفاء
يا أرض العروبة و السلام..
ابعثي لكل بطل مقدام ،
بفرح الأطفال و الأحلام ..!
قولي له : ‹‹القدس عروبتنا
و ديننا الإسلام .. !››
قولي له : ‹‹ أغنية خضراء
بدون كلام .. !››.
‹‹إن طريق الحياة سكين حادة و كل تذبذب أو ارتباك كفيل بإحداث الجروح البليغة المؤدية إلى الموت ››.
"إن مجتمعا لا تلبى فيه الغرائز بصورة طبيعية هو مجتمع متخلف " هذا ما كان يردده عبد الحميد بلهجة فيها كثير من الجد و الحرارة.
" إن المجتمع الذي تكبت فيه الغرائز و يلبي فيه أفراده غرائزهم بصورة ملتوية يسهل انبهاره بتقاليد و قيم مجتمع آخر و يفقد الثقة بتقاليده و قيمه ، فيتلاشى بذلك الإنسجام الداخلي للمجتمع و يفقد القدرة الذاتية على النهضة و بناء الحضارة .."!
كنت قد اجتمعت مع عبد الحميد ذات يوم ، في مجلس حضرته نخبة من الشباب ، و كان معنا المنذر الذي عاد لتوه من فرنسا ، بعدما قضى بها أربع سنوات يدرس علم الإقتصاد . و كان المنذر" يزين لنا الحياة في الغرب حتى نعرف الحياة الحقيقية من حياة التفاهة و التعاسة " على حد تعبيره !؟ و قال وهو يهز رأسه في زهو و عجب: " إن الحياة هناك ممتعة و لذيذة، هناك يا أصدقاء يعرف المرء معنى تدفق الحياة، حياة التحضر
و العقلية المستنيرة.. لا حياة الجمود و التوحش و الإبتذال !؟ فقال عبد الحميد محتجا : " و لمن نترك هذا الشعب المسكين " أيها المنذر !؟ ثم استطرد قائلا: " الأولى بنا يا أصدقاء أن نفكر في بناء حضارة أرقى من الحضارة الغربية التي تبهرنا .. و حدج عبد الحميد المنذر بنظرة حادة : " ماذا ينقصنا حتى نعول على أنفسنا ، ثروات طائلة و سواعد تنتظر البناء و التشييد !؟ فقال المنذر و قد افتر ثغره عن ابتسامة ظفر و وارتياح ،
- تريدنا يا عبد الحميد أن ننتظر حتى تقام حضارتنا الموهومة ، " ترقب يا دجاجة حتى يأتيك القمح من باجة " و سكت المنذر و حدج الحاضرين بنظرة انتصار ثم نظر إلى عبد الحميد نظرة تهكم و استفزاز و قال و عيناه تتقدان سرورا ، " دعونا يا جماعة نشارك القوم متعهم و نكرع من الحياة كما يكرعون .. و نسلك طريقهم حتى نكون لهم أندادا ، أما عبد الحميد فيدعوكم إلى الوهم و إضاعة أعماركم في ترقب أمل زائف ".
كان الحاضرون يترقبون أن يرد عبد الحميد على هذا التهكم بشدة لكن عبد الحميد استمع إلى المنذر بانتباه شديد ، و صمت قليلا حتى سكت الغضب و الإنفعال عن المنذر و قال بأدب جم : " أصدقائي ، لا تغرنكم كلمات المنذر ، و لا تنسوا أنكم قلب الأمة النابض ، المنذر يدعوكم إلى التخلي عن مسؤولياتكم تجاه أمتكم التي تنتظر منكم خيرا كثيرا . المرء بطبعه يبحث عن السهولة .. و اليسر و يخشى التعب و تحمل المسؤوليات، و التفت إلى المنذر و ربت على كتفه و قال موجها له حديثه : " من حقك أيها الصديق أن تذهب إلى هناك و تنعم بحياتك دون أية منغصات .. فنحن لسنا بحاجة لإلى أمثالك ، فأمثالك لا يرجى منهم خير أبدا " .
و تمتم المنذر في ارتباك وهو لا يدري ماذا يقول: " ماذا تقول يا عبد الحميد !؟ أو تظن نفسك زعيم هذه الأمة !؟ و من حملك مسؤولية النهوض بها !؟
ثم قام وهو يهز كتفه مغيظا محنقا : " كلكم قد نصبتم أنفسكم زعماء لهذه الأمة ، كلكم تزعمون أنكم ستنهضون الأمة من كبوتها .. !؟ لكن أين الفعل ؟؟ نريد الفعل يا ناس ؟؟ نريد الفعل ... لقد سئمنا كثرة أحاديثكم ، ورثتم عن العرب القدامى زخرف القول و قلة الفعل ، لم ترثوا عن سوق عكاظ إلا الأحاديث المنمقة " . و صاح بأعلى صوته : " نريد الفعل ... نريد الفعل ..." و حرك عبد الحميد
رأسه موافقا و قال : " الآن نستطيع أن نتحاور ، و نتفاهم ، نريد الفعل ، معك كل الحق في هذا القول أيها الصديق !" .
و هتف عبد الحميد من الأعماق و قال : " إن انبهارنا بالغرب سلب منا كل قدرة على الفعل .. إن تقليدنا للنمط الغربي في الحياة قد مسخ شخصيتنا حتى أضحينا عاجزين عن الفعل و الإبداع ... إن التقليد يا إخوتي قد أعشى أبصارنا على ما يحمد من حضارة الغرب . حالنا يا جماعة حال الذي يريد أن ينجو من الغرق و ما هو بناج ، ثم قال بصوت ينبعث من أعماق فؤاده : ليتنا أدركنا منذ البداية أن الحضارة : تواصل و إبداع : الإنبهار جعلنا نهتم بالتفاهات دون إدراك الحقائق في التاريخ .. ثم سكت عبد الحميد و استجمع قوته و قال في حزم و صراحة .. : " الغرب ! ذاك الذي يبهرنا بإنجازاته وابتكاراته .. ألا تساءلنا كيف بنى قوته ؟ - لقد خضع في مسيرته إلى قاعدة : التواصل و الإبداع ، التواصل يظهر فيما قام به فلاسفة الأنوار من مجهودات جبارة في إحياء ما خلفه أجدادهم مثل سقراط و أفلاطون .. و أرسطو .. ثم نقلوا ما أبدعه علماء المسلمين و فلاسفتهم في شتى الميادين . لقد نقلوا علوم المسلمين و معارفهم دون أن ينقلوا أخلاقهم و تشريعاتهم .. بل شوهوها تشويها مغرضا و حطوا متعمدين من قيمتها "!
تململ عبد الحميد قليلا و جعل ينقل طرفه بين الكتب المتراصة في الخزانة ثم استلم كتابا و تصفح أوراقه ، كان الجميع يرمقونه بأعين مسائلة و تنهد عبد الحميد و حدج الجميع بعين فاحصة و قال : " اسمعوا ما يقوله " فولتير" : " إن محمدا ولد أميرا واستدعي لتسلم مقاليد الأمور عن طريق الناس له ... و لو أنه وضع قوانين سليمة ، و دافع عن بلاده ، لكان من الممكن احترامه و تبجيله ، و لكن عندما يقوم راعي إبل بثورة و يزعم أنه كلم جبريل و أنه تلقى هذا الكتاب غير المفهوم الذي تطالع في كل صفحة منه خرقا للتفكير المتزن حيث يقتل الرجال و يخطف النساء لحملهم على الإيمان بهذا الكتاب ، مثل هذا السلوك لا يمكن أن يدافع عنه إنسان لم تكن الخرافات قد خنقت فيه نور الطبيعة ... "!؟
نظر عبد الحميد إلى الوجوه المقطبة الممتلئة حنقا و كأنها تتأهب للإنقضاض على عدو مقيت فشجعه ذلك على مواصلة الحديث فقال بصوت كالزئير و قد تناثر ريقه : "كلهم سعوا إلى ذلك متعمدين ..: " محمد لم يستطع فهم النصرانية ... و لذلك لم يكن في خياله منها إلا صور مشوهة بنى عليها دينه الذي جاء به للعرب ، هذا ما قاله "أديسون" ، و وجدت نفسي أسائل عبد الحميد: " و لماذا قاموا بهذا التشويه ؟"
فسدد عبد الحميد نحوي نظرة ذات معنى و قال : " لأنهم يدركون بالبداهة أن مجتمعهم إذا انبهر بقيم مجتمع آخر ، يفقد ثقته بتقاليده و قيمه ، فيتلاشى بذلك الإنسجام الداخلي للمجتمع و يفقد بذلك القدرة على النهوض و بناء الحضارة ...
كانت بي رغبة جامحة لملاقاة عبد الحميد بالعاصمة !؟ و سألت عنه فقيل لي إنه هناك ... و ذهبت إلى هناك ... و فجأة وجدتني مع عبد الحميد وجها لوجه ... كان قد انتحى له ركنا ... بإحدى الحانات الكبيرة ... كانت يداه ترتعشان ... وهو يأخذ الكأس ليفرغها في جوفه .. !؟ لما رأيت عبد الحميد على هذه الحال ... أحسست كأن شيئا ينهار داخلي ... !؟ فصحت بأعلى صوتي : "سأقــــــــــــ .... سأقتلك يا عبد الحميد ... أنت لم تعد تصلح للحياة ... أنت لم تعد تصلح للحياة ... أنت لم تعد تصلح للحياة ... !؟
واستيقظت مذعورا .. و جاءت أمي مهرولة وهي تقول : " مالك يا بني !؟ فقلت لها : " أمي ... أرجوك أن تحضري لي بقجتي غدا صباحا ... لأني سألتحق بصديقي عبد الحميد ... بالعاصمة، إن الحياة هنا لم تعد تطاق .. و لن أحتملها بعد اليوم .. !؟

حديث العشق
خــــــاطـــــرة
‹‹ أنا لست مسئولا عن مشاكل العالم، أنا فقط أبحث عن الخلاص لنفسي ››.
لقد جف نبعي ، بي ظمأ كبير إلى الحياة و بهجتها ، أريد أن أكرع من لذاتها كما يكرع الطفل من ثديي أمه الحليب و الحنان ، بي شوق إلى الحياة شديد ، أريد أن أقبل على الحياة بدون مساحيق المجتمع التي تكبلنا و تصنع منا شخصيات غير التي نريد أن نكون ، إن حياة الإنسان تجربة من جملة تجارب عديدة تقع أمام أعيننا كل يوم ، فلماذا نحمل أنفسنا أكثر مما تطيق !؟ و لماذا لا نترك السفينة تمضي حيثما تشاء !؟
الحياة لا تستحق زفرة واحدة و لا دمعة حزن، فلماذا نندم، و لماذا نتخاصم و لماذا الإحن التي بيننا و العداوات !؟ ... و لماذا كل هذه الحروب و الخصومات ؟؟! لماذا لا يعيش الناس في محبة و سلام و وئام و تعاون!؟
أنا أريد أن أحيا كالطفل في عفوية تامة، إني أكره المساحيق، مساحيق المجتمع و قيوده الضالة الجانية المجرمة!؟... أريد أن أكون أنا و ليس كما يريدني الغير .. لماذا لا نعيش التعدد و التكامل و الوحدة !؟ إني لأعجب من تنوع عناصر الطبيعة مع تناسق أجزائها و تكامل أدوارها فلماذا لا نتنوع نحن البشر و نتناسق و نختلف و نتكامل !؟ إن الطبيعة رحبة فلماذا لا تتسع صدورنا للآخر !؟ و لماذا لا نقبله كما هو، و لماذا نتراشق بالسهام و نتصارع و نتناحر و الشجر يعلمنا أنه كلما قذف بالحجر ألقى بثماره اليانعة !؟
لماذا لا يرتع المرء بين الثمار اليانعة المتواجدة في كل مكان حتى يشعر بالإمتلاء و الحب و الأمل و الأمان .. و تمتلئ حياته سعادة و بهجة و سرورا !؟ إنها ينبوع الحياة و سر الوجود ، الخيرات تملأ الأفاق .. لكن لا أحد بلغ الشبع و الإرتواء ، لماذا كل هذا يا ترى ؟!؟
ما هي قيمة الإنسان إذا لم يقدر على تكريس مباهج الحياة و خيراتها لفائدة أخيه الإنسان !؟ هل خلق الإنسان ليعذب أخاه الإنسان !؟ أواه منك أيها العالم ، كل شيء فيك غريب ؟ عجيب ، محير ، مقرف ، مخجل ، قلت فيك المروءة ، و ندر الحياء ، و انقرضت القيم ، يتحكم في مصيرك الخبيث و اللئيم و المهرجون !؟ ... أواه ... ثم أواه ... كل شيء فيك يشعر بالإختناق و التأفف ، يظنك الجاهل بخفاياك فيك رواء للضمآن و أنت تسقيه السم الزعاف و لا يشعر .. !؟
أحياؤك ميتون و ما يشعرون !؟ سوائم بدون قوائم ، و لا يدرون ؟ على وجوههم هائمون !؟
أما متنبؤو العصر الحديث ، المقروءات و المسموعات ... فتلقي الإحن بين الأفراد و الجماعات و المجموعات .. والعداوات !؟و الناس في غيهم سائرون ، و على نهجهم ماكثون ، لكن عشيقتي أراها أخذت تنزع عنها ثوب الهوان .. و تسير بخطى ثابتة نحو الهدف المراد .. فإلى الأمام يا أعز عشيقة في الوجود و لا تخشي شيئا و لا تجبني ، فأنت عاشقة بك صبابة ، و لا يخشى العاشق الولهان .. !



















حديث الجنون
قصة قصيرة
قال محدثي : ‹‹ كنت أسكن بحي شعبي في إحدى ضواحي العاصمة ، سعيت و أنا في مقتبل العمر إلى تحسين وضعي الإجتماعي ، سافرت كثيرا إلى خارج حدود الوطن ، حتى جمعت رأس مال محترم ، بعد سنوات من الغربة و التشرد ذقت فيها من العذاب ألوانا .. و عرفت الحرمان و الخصاصة، رجعت بعدها إلى وطني، و كونت مشروعا تجاريا ناجحا.. و انتشلت عائلتي كبيرة العدد من الفقر والحرمان، حتى أحسست أن الزمن بدأ يهدني هدا و يقتطع مني كل يوم جزءا هاما ، فسارعت و بحثت عن فتاة طالما راودتني في خيالي، تكون رفيقة دربي فيما بقي لي من عمر لتشاركني أفراحي و أتراحي و تعينني على تحمل أعباء الحياة .
رأيتها تتبختر ذات يوم في إحدى شوارع المدينة، كانت ممشوقة القوام، رقيقة الملامح،صافية العينين ، حنونا ، فخفق لها قلبي بشدة،و أحسست أني مكبل بقيود جمالها و أنوثتها الطاغية ، و سألت عنها ، فقيل لي إنها أجمل فتاة في الحي الذي تسكنه .. فتزوجتها.
‹‹ لقد أصبحت تسيطر على أحاسيسي بجمالها الفتان ، و تملكني شعور بعجزي عن حماية هذا الجمال الرهيب من عيون الذئاب التي تلتهمه التهاما بشراهة كلما خرجت من المنزل ، و تشرئب لها الأعناق ، كلما سارت في الشارع ، و تحول عجزي إلى غيرة قاتلة ..!
‹‹ أصبحت أغير عليها من كل شيء ، من كل شيء .. حتى من نفسي ››.!؟
و تنهد الشيخ من الأعماق كأن قلبه يحترق أسفا و حزنا .. ثم قال : ‹‹ و في هذا الجو الغريب ولدت ابنتي رابعة ››.!؟ ثم يصمت الشيخ برهة و يحدجني بنظرة حالمة ثم يقول بصوت منخفض : ‹‹ كنت أنتظر أن يخفف مقدمها حدة توتر العلاقة بيني و بين أمها ››و قطب الشيخ في تقزز و ندت عنه الكلمات بلا وعي .. و في ازدراء شديد :‹‹ و لكن شيئا من ذلك لم يحدث ››.!؟
و تمتم في ارتباك وهو لا يدري ماذا يقول : " تحولت غيرتي إلى هوس مزمن لم أستطع منه فكاكا ..!؟ "
"كنت أتقدم نحو الشيخوخة و العجز و كنت أرى زوجتي في غاية الجمال و الأناقة و الحيوية، و صرت أكره هذا الجمال و صاحبته و أحقد عليها كثيرا.. و تحول حقدي إلى عنف ، فكلما حاولت زوجتي الإقتراب مني زجرتها و عنفتها واعتقدت أنها تخدعني ، حتى أمست حياتنا جحيما لا يطاق ، و انتهت بالطلاق .! ثم يصمت الشيخ برهة و يواصل قائلا :" يبدو أن شعوري بعجزي و بخيانة مطلقتي بقي يشغل بالي .. كنت أنتظر أن تتغير حالتي.. و يفارقني هذا الشعور الغريب بعد أن بقيت ابنتي رابعة في بيتي و تحت رعايتي .. " على أن شعوري نحو أمها لم يتغير بل كنت أتسقط أخبارها من حين لآخر .. حتى بلغني أنها سافرت للعمل خارج حدود الوطن، و يسعل الشيخ حتى خلت أن روحه.. ستصعد إلى بارئها .. ثم يواصل حديثه وهو يرتجف، كمن به حمى .. ؟ : "رجعت يوما من العمل ، كانت رابعة نائمة كملاك ، دخلت غرفتها ، و بسرعة غمرت ذهني الخواطر المرعبة! و تصورتها أمها .. و في تلك اللحظة تملكني حقد كبير على الجمال و صاحبته، و بدون أن أشعر وجدتني أخمد أنفاسها و أنا أصيح بصوت كالرعد : "لا .. لا يمكن أن تعيشي أكثر "!!؟ لا يمكن أن تعيشي أكثر..../












ذكريات زمن مضى ..!!
أقصوصة






محمد سالم بن عمر



محمد سالم بن عمر

Mohamedsalembenamor21@yahoo.fr
http:islam3mille.blogspot.com
86، حي الليمون ، منزل بورقيبة 7050 / ص.ب :260 ولاية بنزرت – الجمهورية التونسية .
الهاتف : 23038163 (00216)
محمد سالم بن عمر، كاتب و ناقد تونسي ، عضو باتحاد الكتاب التونسيين .
أصيل سيدي بوعلي ولاية سوسة، متزوج و له شيماء و نصير الله.
متحصل على شهادة الأستاذية في التنشيط الثقافي منذ 1992، وقد عمل مديرا لدور الثقافة بتونس.
له مساهمات عديدة في النقد و الإبداع و المقال الفكري\ الحضاري...
صدر له كتاب:" اللسان العربي و تحديات التخلف الحضاري في الوطن العربي الإسلامي عام 1995"
كما صدر له كتاب : " نقد الإستبداد الشرقي عند الكواكبي و أثر التنوير فيه عام 2009 "

و قد نشرت له جل الصحف و المجلات الوطنية مقالات فكرية و نقدية و قصص قصيرة وقصائد .. كما نشرت له بعض المجلات و الصحف العربية .. مقالات فكرية وحضارية..
له مخطوطات عديدة أهمها :
ذكريات زمن مضى (رواية) * نحو إعادة تشكيل الفكر العربي الإسلامي في العصر الحديث ﴿مقالات فكرية / حضارية﴾ ...

استيقظ عبد الحميد قبل أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود على غير عادته.. تململ عن يمين و شمال ..ثم شخص من النافذة و جعل ينقل طرفه الشارد فيما يحيط به و حاول أن يعود إلى النوم ، لكن دون جدوى ..تساءل بينه و بين نفسه : ما الذي أيقظني مع هذه الساعة المبكرة ؟ثم تذكر فجأة : آه نسيت أن أحفظ الآيات التي كلفني بحفظها المؤدب لهذا اليوم ... يا إلهي ما الذي أصابني ؟ هل هرمت ذاكرتي بعد ؟!
و طفق يحدث نفسه و يقول : " لا يا عبد الحميد..إن حافظتك قوية و إلا لما فزت بثقة المؤدب .. ؟! لكن لعن الله الإرهاق ... لقد قمت بعمل عظيم بالأمس .. أنسيت أنك بقيت تجمع الزيتون مع أمك كامل اليوم .." ؟!
و عاد الهدوء إلى نفسه و سرى الإرتياح في كامل بدنه .. فاستعاذ من الشيطان ، واستجمع قوته لينهض من فراشه الدافئ . ملأ الإبريق ماء ليتوضأ للصلاة و هم بتشمير ساعديه ،إذ سمع طرقا خفيفا على الباب . فتساءل : " من يكون الطارق يا ترى ؟" و لم ينتظر انتظاره حتى سمع صوتا جهوريا يدعوه قائلا : "هيا يا عبد الحميد .. ألم تتهيأ بعد لنذهب إلى المسجد ؟! فرد عبد الحميد قائلا : "أهلا .. رضا.. هل حان وقت الصلاة بعد ؟!.
فرد رضا بصوت فيه كثيرا من التعجب :" يظهر أنك نسيت .. ، لا بأس ..سنذهب قبل صلاة الفجر ..لنحفظ معا الآيات التي كلفنا بحفظها المؤدب بالأمس .. ؟!
فقال عبد الحميد معتذرا :- "العفو يا رضا .. بعض الدقائق ..لأخرج معك .."
الليل لا يزال يلف بكلاكله أرجاء القرية الساحلية .. صمت رهيب يخيم على الشوارع و الأنهج الضيقة .. يخترقه من حين لآخر عواء الكلاب و صياح الديكة .. و نقيق الضفادع .. خرج عبد الحميد ملتفا في سترته .. و أخذ يسير جنبا إلى جنب مع رضا و أخذا يشقان شوارع القرية .. ، الرذاذ كان يتساقط ..أخذا الطيفان يهرولان حتى بلغا المسجد..سلما الإثنان على العم وناس المكلف بتنظيف المسجد ..ثم نزعا أحذيتها و دخلا و لم يفترقا إلا عند بداية بزوغ الشمس .




لا أعرف بالضبط ما الذي كان يشدني إلى عبد الحميد..،إبتدأت علاقتنا بتنافس شديد على حفظ القرآن .. كنت أغبطه على العناية التي يوليها له المؤدب دون سائر أقرانه .. أجل كان ما يتمتع به عبد الحميد من قدرة عجيبة على الحفظ و النطق السليم.. خليقا بأن يجلب له حب المؤدب و احترام أقرانه و غيرة البعض منهم ..، و ليس من شك في أنه كان يعلم كل ذلك و لكنه لا يبدي تجاهه أي اهتمام .. كان همه منصبا على طلب العلم .. لا غير ، و تحسين زاده المعرفي ..وهو إلى ذلك يعرف حق المعرفة أن الإهتمام بمثل هذه الأشياء مضيعة للوقت و صارفا له عن الهدف الذي رسمه لنفسه .. :" أن يصبح كاتبا يساعد بني جلدته على تلمس الحقيقة و بلوغ أعلى القمم .. "
إن أراء الناس لا تكاد تسمو عن الخرافات و المعتقدات الساذجة..، و ليس من شك في أنه رأى بأم عينيه كيف يتقاعس بعض أقرانه في المدرسة عن المذاكرة ثم يذهبون ليلة الإمتحان إلى مقام الولي الصالح بجهتهم ، يتضرعون له كي ينقذهم من الرسوب . كان ينظر إلى كل هؤلاء بعين التهكم و الإزدراء و الإحتقار و لكنه لا يجاهر بذلك ، إنه يعرف خطأ مسعى هؤلاء و سذاجتهم و يدرك ذلك كله جيدا و لكنه فضل الصمت ، إن جل سكان القرية، برجالها و نسائها .. و أطفالها يلجئون إلى مقام الولي في أوقات الشدة يلتمسون مساعدة و يطلبون مخرجا في ذل و مسكنه ، و مهما يكن من أمر فليس الوقت مناسبا للبوح بما يختلج في صدره من إنكار لهذه الحماقات الجماعية .
و لكن هذا لا يعني أنه لم لأمه بما يراه في شأن استنجاد الناس بالولي الصالح و خنوعهم لصنوف الدهر تصنع بهم ما تشاء ، و قد حذرته أمه مرارا من الإفشاء بمثل هذا الرأي الذي ينضح ردة عن تقاليد أهل القرية و معتقداتهم . و لعل هذا ما جعله برما بكل شيء حوله ، ينظر بعين الإرتياب لكل ما يقع في القرية من طقوس و ما يشاع من أراء ، و لعل برمه هذا هو الذي دفعه إلى مزيد التحصيل و الكرع من العلم أصنافا و قنع بلغة الصمت حتى يحين أوان الكلام .




خيم الظلام على القرية فأوحى بانطواء يوم آخر من عمر الزمان و وفاة يوم من حياتي و حياة الأحياء..
أخذت أتفرس بعض الكتب مفكرا بفضاعة تواصل الليل و النهار.. و حاولت التغلب على هذا الشعور بالإرتماء على سريري ، لكنني تصورته نعشا يلتهمني إلتهاما ،انتفضت كالمعتوه !غير أني عدت إلى وعيي بعد أن تيقنت من تفاهة تفكيري...
و أخذت كتابا شدتني فيه العبارة التالية : "الإهداء إلى أبي رحمه الله ". و عاد لي الشعور الغريب ، و تساءلت في نفسي : "كم عاش هذا الأب ؟ و ماذا ترك ؟
و هل صنع في حياته شيئا يذكر ؟ أترك إبنا ليخلد اسمه بهذا الإهداء ؟! " و تذكرت جدي رحمه الله ، لقد عاش و مات و ما بقي منه غير بعض الذكريات لا تزال عالقة بذهني .. و فجأة رن منبه الساعة كأنه يحذرني و يذكرني بسباقي مع الزمن .. فالعقارب تجري و لا تلتفت إلى النائمين .. و الوقت يمر معلنا قدوم الصباح ..
" صباح الخير" التفت نحو الصوت و أنا أقول : " صباح الخير "، إنه أحد عمال البلدية شرع في تنظيف الشوارع مبكرا وهي عادة تعود عليها منذ زمن بعيد .. لا شك أنه يشعر بالإرتياح لأنه يعمل لصالح الغير و يريح المواطن من جميع رواسب الأمس .
و قبل أن يغادر المكان قال لي : " لماذا أنت هنا ؟؟! فقلت له أنا لست هنا.. بل هناك ... هناك..

ارتحل عني عبد الحميد إلى العاصمة لمواصلة تعلمه الجامعي ، كانت رسائله تصلني تباعا ..، وصلتني منه رسالة يقول فيها : أخي و صديقي ، تحية صادقة ،لم أجد من أفشي له بمكنونات نفسي غيرك ، منذ مدة أخذ شعوري بالغربة يزداد شيئا فشيئا ... أسئلة عديدة أخذت تواجهني أينما ذهبت ... من أنا و ماذا أريد ؟! قد تعجب مني و يحق لك أن تعجب ، أجل لقد أمسيت أشك في كل شيء . لقد أصبح يساورني شعور بالقلق و التردد و الحيرة ...".
و تساءلت بيني و بين نفسي : " أحين جد الجد أصبحت يا عبد الحميد مترددا مضطربا حائرا لا تعرف أي وجهة تسلك ؟!
عرفت عبد الحميد لا يعترف بالعجز أو المستحيل ، يثق في قدراته إلى حد الغرور ، يردد باستمرار .. " يوجد لكل مشكلة حل ، نحن الذين نوهم أنفسنا بالعجز فنعجز ؟!"
كان يشق طريقه بثبات عجيب ، هو الوحيد بين أترابه الذي ارتقى إلى الجامعة دون رسوب . كل من في القرية كان يشهد له بالتفوق و الذكاء .
" أسباب التخلف".. " الشرق و الغرب".. " حركة الإصلاح و الحضارة الغربية "، " طريق النهضة ".. قضايا شغلت ذهن عبد الحميد منذ كان تلميذا يافعا،كان قولي له : "عش كما يعيش سائر الناس "خليقا بأن يستفزه و يغضبه، فأبتسم له و أواسيه قائلا : "إن اهتمامك بهذه القضايا لن يجديك نفعا ... خالط الناس و ستقتنع أن شعبنا لم يبلغ سن الرشد بعد ، إنك كمن يريد إحياء الموتى أو الحرث في البحر .." ؟!.
فيرد علي بلهجة لا تخلو من عتاب و تأنيب : " الحمد لله أن لم يكن الناس مثلك و إلا لحقت بنا الطامة الكبرى!"
كنت أغبطه على صبره و قوة شكيمته ، كلما حاولنا صرفه عن هذا الطريق الوعر ازداد إصرارا و عنادا ..، و يهز عبد الحميد رأسه حيرة بعد إطراق و يقول بلهجة جدية : "إن شعبنا شعب عظيم، و لكننا فرطنا فيه و تركناه يسير على غير هدى.
كنا نعجب من سرعة بديهته واطلاعه الواسع على التاريخ و إلمامه بمجريات الأحداث في العالم .كانت له قدرة عجيبة على تغيير مجرى أحاديثنا ، يزرع الأمل أين ذهب ،بل يحول اليأس إلى أمل .. و يردد دوما : ‹‹ إن مصاعب الحياة و مشاقها تصنع الرجال ›› مؤكدا : ‹‹ أن اليأس يعني الموت وليس أمام القانطين إلا الموت ، يجب أن نأمل لأن الأمل يعني الحياة ... ››! أسمعنا يوما قصيدة يقول فيها مخاطبا فلسطين: ‹‹
فـــلسطــــــــــــــــــين
أنت جرح ينزف من جسدي..!
أنت قطعة من كبدي ..!
فلسطين الوفاء
يا أرض العروبة و السلام..
ابعثي لكل بطل مقدام ،
بفرح الأطفال و الأحلام ..!
قولي له : ‹‹القدس عروبتنا
و ديننا الإسلام .. !››
قولي له : ‹‹ أغنية خضراء
بدون كلام .. !››.
و أعود فأتذكر رسالته الأخيرة و ما تطفح به من قلق و حيرة ، فيتملكني الهلع على ما آل إليه حاله من تذبذب و ارتباك .. و عدت إلى المنزل و أنا على أسوإ حال ..، و لم أهنأ بخروجي إلى الغابة على غير عادتي ، فرأسي كانت تغلي بأسئلة لا نهاية لها حتى أحسست بدوار و كأن عاصفة هائلة تعبث بي في صحراء قاحلة . و تهالكت على أريكة اعترضتني، ثم كتبت له رسالة أقول له فيها : ‹‹ أخي عبد الحميد ، صحيح أني لم أعد أفهمك .. لكنني أدرك جيدا أنك أقوى من الحيرة و القلق.. إن العمل لفائدة هذا الشعب حري أن يبعدك عن كل حيرة و ارتباك ››.
‹‹إن طريق الحياة سكين حادة و كل تذبذب كفيل بإحداث الجروح البليغة المؤدية إلى الموت ››.













كان لي صديق، استأثرت به النشوة أياما، ثم مضت حماسته تفتر و نشوته تخبو، بيد انه لم ينكص على عاقبيه و بقي به شئ مما كان ، أقصده كلما ألم بي كرب و اشتد علي حزن ، أطلب السلوى بحكايته التي يرويها و مغامراته التي يتقن صياغتها في كلام مشوق و حديث منمق، حالما رآني قادما إليه اهتز صدره فرحا و قال بصوت ينم عن السرور:
أين أنت يا رجل !؟ هل نسيت عشرتنا بهذه السرعة ؟!
ثم استدرك قائلا: ‹‹أعلم أن مشاغل الحياة كثيرة ، لعن الله هذه الدنيا التي جعلتنا نجري وراء لقمة العيش ليل نهار دون أن ننال مبتغانا، الحياة صعبت وقل راكبها و فرقت الشمل بين الأصحاب و الخلان ›› . وطافت بالرجل الذكريات اللذيذة فعاوده الحنين إلي صفو الحياة و جمالها.ثم ما لبث أن تذكر شيئا ، فأشرق وجهه بابتسامة لطيفة و راح يدندن بصوت منخفض : ‹‹ بالله أخبرني ، كيف حال عبد الحميد ؟ألا يزال على عناده القديم ؟! ياله من فتى ، كم نصحته أن يكرع من الحياة صنوفا و يتمتع بطيباتها ، فالعمر قصير و لا يحتمل التأخير. ›› فحدجته بنظرة ذات معنى و قلت له بأمل و رجاء : ‹‹ لا تعكر اللقاء ، و دع عبد الحميد و شأنه، فلم يطلب من أحد أن يخوض معه غمار الحياة ، ألا يحق له أن يختار طريقه بنفسه ، فهو ليس بحاجة لمن يوجهه ››.
فضحك صاحبي ضحكة عالية ذات معنى ، و قال مهدئا من غضبي : ‹‹ لا بأس لا فائدة من النقاش الآن ! و لكنني سأقولها دائما: ‹‹ السياسة في بلادنا خربت بيوتا كثيرة و يتمت أطفالا و أهرقت طاقات ، فلماذا لا تدعونها و شأنها ؟! ›› .
ثم أمر بإحضار الشاي، و تهالك علي أريكة و وثيرة و جلست قربه ثم بدأ في ثرثرته المعهودة و قال بحماسة و فخار: ‹‹كنت أهوى البحر و اركب في سبيل بلوغه الأهوال و الأخطار.. لذ " لقريبع" ، صديق العمر الذهاب معي إلي البحر ، وقد اشتد الحر و ذهب الريح و القر، الصائفة اشتدت حرارتها و الأجساد قد تعرت، و السواعد قد نشطت و الغرف قد اقتضت و قبلت .. و النفوس لمرماها طمعت.

أراد " قريبع" في أيام صباه ـ و قد غرم غرما بساعده، حتى اشتد بلاؤه ـ أن يجد لنفسه مأوى يرفع به عن النفس و يذهب الحر و القلق فركب سيارة استأجرها و ركبت معه ، ووصلنا البحر فطالعنا كل جمال و كمال ... نسيمات عليلة اعترضتنا و تملقتنا... و طيور في الفضاء سابحة و لرب السماء شاكرة ..السماء زرقاء صافية و النجوم آفلة بعدما قضت الليل ساهرة و علي راحة الإنسان عاملة... البحر ليس له حدود والماء لا يعرف له ركود. و السماء تتسع منذ عهود ... فسبحنا من وضعها بغير عمد و أقامها بغير قد، فأعانت البحر على الجزر و المد.
نظرت أمامي فإذا السماء و الأرض مطبقتان كانهما منذ القديم متعاشرتان و لحماية نفسيهما متعاونتان.. و حملقت فإذا الماء هناك أزرق و هنا أبيض فعجبت لهذه الحال. و علمت فيما بعد... أن أبصارنا تخدعنا و لعقولنا المرجع و المنقلب.
حملنا أمتعتنا عل الشاطئ و بالقرب من أمواج البحر فرشنا و تمددنا ننعم النظر في النهود و نتأمل الخدود التي أقبلت من كل الجهات و الحدود... فبدأ الحمام لمرآنا يسرح و لنا يمرح . فعشقت ذات الوجنات الحمراء والأغصان البيضاء و القوام الممشوق و الحبال الطويلة السود، فشكرت الشمس علي تركها اللحم تحت أشعتها ينعش و العيون بالجمال تنعم و تمنيتها أكلة شهية قرب أمواج البحر. و تمنى صاحبي أخرى على الفراش الوثير تمددت و على ظهرها و بطنها تقلبت كتقلب السمك في الوديان و البحار .
و أقسم صاحبي أنه لم ير مثلها أكلة في عز الصيف فغمز صاحبي و غمزت و في بيت مهجور تم ما تم و أفرغنا الجيوب من النقود .. و تمنيت و تمني صاحبي لو هدمت السدود التي سطرت بالحدود و القلم الممدود حتى ننعم بدون عقود .. وقلت لـ " قريبع ": ‹‹هذا يومنا فلا نفرط فيه و قصدنا مجلس العم طاهر و قد جعله صاحبه لسراة القوم مقصدا ليشربوا النبيذ و يرقصوا حتى الثمالة . و قبل أن ندخل المجلس لمحنا العم الشاذلي بوصيد دكانه جالسا و علي سحنته هم و غم فخلنا أن ماله ذهب و بقي في نكد... فصارحته بذلك . رفع رأسه حيرة و تنهد من الأعماق و قال و هو يتمالك أنفاسه المضطربة : ‹‹ لقد ذهبت الحرة بعد أن تركت في نفسي غمة ››. فقلت مواسيا:‹‹لا عليك فالنساء في الوجود كثرة و صيدهن أيسر من شرب الخمرة ، فالنفس له اشتاقت و لنبيذه تشوفت و ارتاحت فانفرجت أسارير وجهه و تنهد مسرورا و قام و أغلق الدكان و انصرفنا ...!
و لما اقتربنا من المجلس رأينا الليل قد ذهب ظلامه، و تلألأت نجومه و أنواره و تصاعد في الجو البخور من القدور ، و تعالت الأصوات و عم الضجيج و الصياح و انتابني شك في المجلس المقصود ، فهرول العم الشاذلي و هرولنا خلفه و تسابقنا للجنان : خدر الأكواب الموضوعة ، و النمارق المصفوفة ، و الزرابي المبثوثة و الحور العين .. و اللحم المشوي.. رائحة زكية بعطر و زنود ونهود بيض نقية... و...
و دخلنا و دخل العم الشاذلي ... و رفع على الأعناق .. فالجميع صحبه و بشذى أقاصيص غرامه و مغامراته تغنوا و ترنحوا .. قال العم الشاذلي مسلما :‹‹ حياكم الله معشر الشباب ››
و رد الجميع بحماس فياض: ‹‹حييت يا عم ››.!
ثم أخذ العم الشاذلي مجلسه و جلسنا . و عاد العم يقول هاتفا بصوته الأجش : ‹‹ إلي أيتها المليحة ، هات الكؤوس التي تحيي النفوس و اسقي أهل الفؤوس ››∙
هرولت أحدهن و قدمت الشراب في الكؤوس فاشرأبت إليها الأعناق و النفوس، فتسلمها العم الشاذلي و أجلس المرأة أمامه و أشربها النبيذ لتسقيه من خمرها اللذيذ ثم ارتمى عليها لتبادل الحلو و المر، ثم مد الكأس و صب الخمر على الرأس، فاشتد الغيظ بالفتاة و نهرته، و قربت إليها ‹‹قريبع›› و قد كان يتفحش مع إحداهن فغضب العم الشاذلي و امتلأ حنقا و قال بحدة و هو يتميز من الغيظ : ‹‹لأعبثن بالمجلس يا قحاب ›› فقالت المرأة تستفزه :‹‹دع لي هذا الشاب يا عم ، فساعده بقوة الشباب معمر ، و أنت فقدتك النساء صلابته، فتهرأ ..!
فازداد غضبه ، و أمتلأ صدره حنقا و قال بصوت رفيع : ‹‹هاكم المال يا معشر القحاب .. و أخذت الدنانير تتناثر عن يمين و شمال .. و كثر الصخب و اللغط .. و تسابقت النسوة الحاضرات لجمع المال و العم الشاذلي واقف يضحك و يقهقه... رن الجرس ليعلن انتصاف الليل ، فترنحت الرؤوس ، و ذابت القلوب ..
ثم خرج العم الشاذلي و خرجنا ...!






"إن مجتمعا لا تلبى فيه الغرائز بصورة طبيعية هو مجتمع متخلف " .. هذا ما كان يردده عبد الحميد بلهجة فيها كثير من الجد و الحرارة.
" إن المجتمع الذي تكبت فيه الحرارة و يلبي فيه أفراده غرائزهم بصورة ملتوية يسهل انبهاره بتقاليد و قيم مجتمع آخر و يفقد الثقة بتقليده و قيمه ، فيتلاشى بذلك الإنسجام الداخلي للمجتمع و يفقد القدرة الذاتية على النهضة و بناء الحضارة .."!
تذكرت كل هذا لما كنت راجعا من عند صديق المغامرات. استوقفني موزع البريد فجأة و سلمني رسالة ، قلبت الرسالة بسرعة ، كدت أطير من الفرحة عندما تبينت على الظرف خط عبد الحميد .. رجعت إلى المنزل و أنا أسابق الزمن ، فتحت الظرف ، حجم الرسالة على غير ما عودني عليه عبد الحميد ، و تساءلت بيني و بين نفسي " هل تراه وجد حلا لشكه و حيرته !؟"
" لن أحدثك هذه المرة عن نفسي ، سأسرد عليك قصة عجوز عرفته في المدة الأخيرة .. قال محدثي : " كنت أسكن بحي شعبي في إحدى ضواحي العاصمة ، سعيت و أنا في مقتبل العمر إلى تحسين وضعي الإجتماعي ،سافرت كثيرا إلى خارج حدود الوطن ، حتى جمعت رأس مال محترم ، بعد سنوات من الغربة و التشرد ذقت فيها العذاب ألوانا .. و عرفت الحرمان و الخصاصة ، رجعت بعدها إلى بلادي ،و كونت مشروعا تجاريا ناجحا .. و انتشلت عائلتي كبيرة العدد من الفقر ، حتى أحسست أن الزمن بدأ يهدني هدا و يقتطع مني كل يوم جزءا ، فسارعت و بحثت عن فتاة تكون رفيقة دربي فيما بقي لي من أيام لتشاركني أفراحي و أتراحي و تعينني على تحمل أعباء الحياة .
رأيتها تتبختر ذات يوم في إحدى شوارع المدينة ، كانت ممشوقة القوام ،رقيقة الملامح ،صافية العينين ، حنونا ،فخفق قلبي لها ،و أحسست أني مكبل بقيود جمالها و أنوثتها ، و سألت عنها ، فقيل لي إنها أجمل فتاة في الحي الذي تسكنه .. فتزوجتها . "
" لقد أصبحت تسيطر على أحاسيسي بجمالها الفتان ، و تملكني شعور بعجزي عن حماية عن حماية هذا الجمال من عيون الذئاب التي تلتهمه التهاما بشراهة كلما خرجت من المنزل و تشرئب لها الأعناق ، كلما سارت في الشارع ، و تحول عجزي إلى غيرة قاتلة ..!
" أصبحت أغير عليها من كل شيء ، من كل شيء .."
و تنهد الشيخ من الأعماق كأن قلبه يحترق أسفا و حزنا .. ثم قال : "و في هذا الجو الغريب ولدت ابنتي رابعة .." ثم يصمت الشيخ برهة و يحدجني بنظرة حالمة ثم يقول بصوت منخفض : " كنت أنتظر أن يخفف مقدمها حدة توتر العلاقة بيني و بين أمها " و قطب الشيخ في تقزز و ندت عنه الكلمات بلا وعي .. و في ازدراء شديد ..: " و لكن شيئا من ذلك لم يحدث "
و تمتم في ارتباك وهو لا يدري ماذا يقول : " تحولت غيرتي إلى هوس مزمن لم أستطع منه فكاكا ..!؟ "
"كنت أتقدم نحو الشيخوخة و العجز و كنت أرى زوجتي في غاية الجمال و الأناقة و الحيوية، و صرت أكره هذا الجمال و صاحبته و أحقد عليها كثيرا . و تحول حقدي إلى عنف ، فكلما حاولت زوجتي الإقتراب مني زجرتها و عنفتها واعتقدت أنها تخدعني ،حتى أمست حياتنا جحيما لا يطاق .. و انتهت بالطلاق .ثم يصمت الشيخ برهة و يواصل قائلا :" يبدو أن شعري بعجزي و بخيانة مطلقتي بقي يشغل بالي .. كنت أنتظر أن تتغير حالتي .. و يفارقني هذا الشعور الغريب بعد أن بقيت ابنتي رابعة في بيتي و تحت رعايتي .. " على أن شعوري نحو أمها لم يتغير بل كنت أتسقط أخبارها من حين لآخر .. حتى بلغني أنه سافرت للعمل خارج حدود الوطن ، و يسعل الشيخ حتى خلت أن روحه .. ستصعد إلى بارئها .. ثم يواصل حديثه وهو يرتجف كمن به حمى ..: " رجعت يوما من العمل ، كانت رابعة نائمة كملاك ، دخلت غرفتها ، و بسرعة غمرت ذهني الخواطر المرعبة .. و تصورتها أمها .. و في تلك اللحظة تملكني حقد كبير على الجمال و صاحبته ، و بدون أن أشعر وجدتني أخمد أنفاسها و أنا أصيح بصوت كالرعد : " لا .. لا يمكن أن تعيشي أكثر .. "
ألقيت بالرسالة على السرير و أنا أرتعد من شدة الغيظ . و تساءلت بيني و بين نفسي : " ماذا يعني عبد الحميد بسرد هذه القصة المحمومة وقد كنت أنتظر منه أن يحدثني عن حاله ؟ "




"لا تظنوا بي أيها السادة ظن السوء، فتعتقدون أني أصبحت بوقا لعبد الحميد «
" أنا لست مسئولا عن مشاكل العالم، أنا فقط أبحث عن الخلاص لنفسي " " لقد جف نبعي ، بي ظمأ كبير إلى الحياة و بهجتها ، أريد أن أكرع من لذاتها كما يكرع الطفل من ثديي أمه الحليب و الحنان ،، بي شوق إلى الحياة شديد ، أريد أن أقبل على الحياة بدون مساحيق المجتمع التي تكبلنا و تصنع منا شخصيات غير التي نريد أن نكون ،إن حياة الإنسان تجربة من جملة تجارب عديدة تقع أمام أعيننا كل يوم ، فلماذا نحمل أنفسنا أكثر مما تطيق !؟ و لماذا لا نترك السفينة تمضي حيثما تشاء !؟
الحياة لا تستحق زفرة واحدة و لا دمعة حزن ، فلماذا نندم ، و لماذا نتخاصم و لماذا الإحن التي بيننا ... و لماذا كل هذه الحروب و الخصومات ؟؟! لماذا لا يعيش الناس في محبة و سلام و وئام !؟
أنا أريد أن أحيا كالطفل في عفوية تامة ، إني أكره المساحيق ، مساحيق المجتمع و قيوده الضالة الجانية المجرمة ... أريد ان أكون أنا و ليس كما يريدني الغير .. لماذا لا نعيش التعدد و التكامل و الوحدة !؟ إني لأعجب من تنوع عناصر الطبيعة مع تناسق أجزائها و تكامل أدوارها فلماذا لا نتنوع نحن البشر و نتناسق و نختلف و نتكامل !؟ إن الطبيعة رحبة فلماذا لا تتسع صدورنا للآخر !؟ و لماذا لا نقبله كما هو ، و لماذا نتراشق بالسهام و نتصارع و نتناحر و الشجر يعلمنا أنه كلما قذف بالحجر ألقى بثماره اليانعة !؟
لماذا لا يرتع المرء بين الثمار اليانعة المتواجدة في كل مكان حتى يشعر بالإمتلاء و الحب و الأمل و الأمان .. و تمتلئ حياته سعادة و بهجة و سرورا !؟ إنها ينبوع الحياة و سر الوجود ، الخيرات تملأ الأفاق .. لكن لا أحد بلغ الشبع و الإرتواء ، لماذا كل هذا يا ترى ؟!؟
ما هي قيمة الإنسان إذا لم يقدر على تكريس مباهج الحياة و خيراتها لفائدة أخيه الإنسان !؟ هل خلق الإنسان ليعذب أخاه الإنسان !؟
أواه منك أيها العالم ، كل شيء فيك غريب ؟ عجيب ، محير ، مقرف ، مخجل ، قلت فيك المروءة ،و ندر الحياء ، و انقرضت القيم ، يتحكم في مصيرك الخبيث و اللئيم و المهرجون ، ... أواه ... ثم أواه ... كل شيء فيك يشعر بالإختناق و التأفف ، يظنك الجاهل بخفاياك فيك رواء للضمآن و أنت تسقيه السم الزعاف و لا يشعر ..
!؟ أحياؤك ميتون و ما يشعرون !؟ سوائم بدون قوائم ، و لا يدرون ؟ على وجوههم هائمون !؟
أما متنبؤو العصر الحديث ، المقروءات و المسموعات ... فتلقي الإحن بين الأفراد و الجماعات و المجموعات .. والعداوات !؟ و الناس في غيهم سائرون ، و على نهجهم ماكثون ، لكن أمي أراها أخذت تنزع عنها ثوب الهوان .. و تسير بخطى ثابتة نحو الهدف المراد .. فإلى الأمام يا أعز أم في الوجود .. و لا تخشي شيئا و لا تجبني ، فأنت عاشقة بك صبابة ، و لا يخشى العاشق الولهان .. !

















لا أعرف بالضبط ما الذي جعلني استحضر عبد الحميد لم كنت راجعا من العرض المسرحي الذي أقامته ثلة من الشباب ،كان العرض قد تناول صراع " الذات " م " الآخر "و كيف أن الإنسان بحاجة أكيدة إلى تحديد هويته ، في الحقيقة كان عرضا مملا ، إذ كثر فيه الصخب ، و ردد الممثلون الكثير من الشعارات ،الرنانة التي سئمت سماعها .. خاصة أنها لم تواكب بإبداع فني !؟
" كنت قد اجتمعت مع عبد الحميد في مجلس حضرته نخبة من الشباب ، ، و كان معنا المنذر إلي عاد لتوه من فرنسا لمواصلة تعليمه الجامعي ،بعدما قضى بها أربع سنوات يدرس علم الإقتصاد . و كان المنذر" يزين لنا الحياة في الغرب حتى نعرف الحياة الحقيقية من حياة التفاهة و التعاسة " على حد تعبيره !؟
و قال وهو يهز رأسه في زهو و عجب : " إن الحياة هناك ممتعة و لذيذة ، هناك يا أصدقاء يعرف المرء معنى تدفق الحياة ..، حياة التحضر و العقلية المستنيرة ..لا حياة الجمود و التوحش و الإبتذال !؟ فقال عبد الحميد محتجا : " و لمن نترك هذا الشعب المسكين " أيها المنذر !؟ ثم استطرد قائلا : " الأولى بنا يا أصدقاء أن نفكر في بناء حضارة أرقى من الحضارة الغربية التي تبهرنا .. و حدج عبد الحميد المنذر بنظرة حادة : " ماذا ينقصنا حتى نعول على أنفسنا ، ثروات طائلة و سواعد تنتظر البناء و التشييد !؟ فقال المنذر و قد افتر ثغره عن ابتسامة ظفر و وارتياح ،
- تريدنا يا عبد الحميد أن ننتظر حتى تقام حضارتنا الموهومة ، " ترقب يا دجاجة حتى يأتيك القمح من باجة " و سكت المنذر و حدج الحاضرين بنظرة انتصار ثم نظر إلى عبد الحميد نظرة تهكم و استفزاز و قال و عيناه تتقدان سرورا ، " دعونا يا جماعة نشارك القوم متعهم و نكرع من الحياة كما يكرعون .. و نسلك طريقهم حتى نكون لهم أندادا ، أما عبد الحميد فيدعوكم إلى الوهم و إضاعة أعماركم في ترقب أمل زائف ".
كان الحاضرون يترقبون أن يرد عبد الحميد على هذا التهكم بشدة لكن عبد الحميد استمع إلى المنذر بانتباه شديد ، و صمت قليلا حتى سكت الغضب و الإنفعال عن المنذر و قال بأدب جم : " أصدقائي ، لا تغرنكم كلمات المنذر ، و لا تنسوا أنكم قلب الأمة النابض ، المنذر يدعوكم إلى التخلي عن مسؤولياتكم تجاه أمتكم التي تنتظر منكم خيرا كثيرا . المرء بطبعه يبحث عن السهولة .. و اليسر و يخشى التعب و تحمل المسؤوليات " .
و التفت إلى المنذر و ربت على كتفه و قال موجها له حديثه : " من حقك أيها الصديق أن تذهب إلى هناك و تنعم بحياتك دون أية منغصات .. فنحن لسنا بحاجة لإلى أمثالك ،فأمثالك لا يرجى منهم خير أبدا " .
و تمتم المنذر في ارتباك وهو لا يدري ماذا يقول : " ماذا تقول يا عبد الحميد !؟ أو تظن نفسك زعيم هذه الأمة !؟ و من حملك مسؤولية النهوض بها !؟
ثم قام وهو يهز كتفه مغيظا محنقا : " كلكم قد نصبتم أنفسكم زعماء لهذه الأمة ، كلكم تزعمون أنكم ستنهضون الأمة من كبوتها .. !؟ لكن أين الفعل ؟؟ نريد الفعل يا ناس ؟؟ نريد الفعل ... لقد سئمنا كثرة أحاديثكم ، ورثتم عن العرب القدامى زخرف القول و قلة الفعل ، لم ترثوا عن سوق عكاظ إلا الأحاديث المنمقة " . و صاح بأعلى صوته : " نريد الفعل ... نريد الفعل ...".
و حرك عبد الحميد رأسه موافقا و قال : " الآن نستطيع أن نتحاور ، و نتفاهم ، نريد الفعل ، معك كل الحق في هذا القول !" .
و هتف عبد الحميد من الأعماق و قال : " إن انبهارنا بالغرب سلب منا كل قدرة على الفعل .. إن تقليدنا للنمط الغربي في الحياة قد مسخ شخصيتنا حتى أضحينا عاجزين عن الفعل و الإبداع... إن التقليد يا إخوتي قد أعشى أبصارنا على ما يحمد من حضارة الغرب . حالنا يا جماعة حال الذي يريد أن ينجو من الغرق و ما هو بناج ، ثم قال بصوت ينبعث من أعماق فؤاده : ليتنا أدركنا منذ البداية أن الحضارة : تواصل و إبداع : الإنبهار جعلنا نهتم بالتفاهات دون إدراك الحقائق في التاريخ ..ثم سكت عبد الحميد و استجمع قوته و قال في حزم و صراحة .. : " الغرب ! ذاك الذي يبهرنا بإنجازاته وابتكاراته .. ألا تساءلنا كيف بنى قوته ؟ لقد خضع في مسيرته إلى قاعدة : التواصل و الإبداع ، التواصل يظهر فيما قام به فلاسفة الأنوار من مجهودات جبارة في إحياء ما خلفه أجدادهم مثل سقراط و أفلاطون .. و أرسطو .. ثم نقلوا ما أبدعه علماء المسلمين و فلاسفتهم في شتى الميادين . لقد نقلوا علوم المسلمين و معارفهم دون أن ينقلوا أخلاقهم و تشريعاتهم .. بل شوهوها تشويها مغرضا و حطوا متعمدين من قيمتها "
تململ عبد الحميد قليلا و جعل ينقل طرفه بين الكتب المتراصة في الخزانة ثم استلم كتابا و تصفح أوراقه ، كان الجميع يرمقونه بأعين مسائلة و تنهد عبد الحميد و حدج الجميع بعين فاحصة و قال : " اسمعوا ما يقوله " فولتير" : " إن محمدا ولد أميرا واستدعي لتسلم مقاليد الأمور عن طريق الناس له ... و لو أنه وضع قوانين سليمة ، و دافع عن بلاده ، لكان من الممكن احترامه و تبجيله ، و لكن عندما يقوم راعي إبل بثورة و يزعم أنه كلم جبريل و أنه تلقى هذا الكتاب غير المفهوم الذي تطالع في كل صفحة منه خرقا للتفكير المتزن حيث يقتل الرجال و يخطف النساء لحملهم على الإيمان بهذا الكتاب ، مثل هذا السلوك لا يمكن أن يدافع عنه إنسان لم تكن الخرافات قد خنقت فيه نور الطبيعة ... "
نظر عبد الحميد إلى الوجوه المقطبة الممتلئة حنقا و كأنها تتأهب للإنقضاض على عدو مقيت فشجعه ذلك على مواصلة الحديث فقال بصوت كالزئير و قد تناثر ريقه : "كلهم سعوا إلى ذلك متعمدين ..: " محمد لم يستطع فهم النصرانية ... و لذلك لم يكن في خياله منها إلا صور مشوهة بنى عليها دينه الذي جاء به للعرب ، هذا ما قاله "أديسون" . و وجدت نفسي أسائل عبد الحميد: " و لماذا قاموا بهذا التشويه ؟"
فسدد عبد الحميد نحوي نظرة ذات معنى و قال : " لأنهم يدركون بالبداهة أن مجتمعهم إذا انبهر بقيم مجتمع آخر ، يفقد ثقته بتقاليده و قيمه ، فيتلاشى بذلك الإنسجام الداخلي للمجتمع و يفقد بذلك القدرة على النهوض و بناء الحضارة ...
و سمعنا صياحا و عويلا .. تبعه طرق قوي على باب المجلس ، فخيم الصمت و التساؤل على وجوه الحاضرين ، و ملأتنا الرهبة فأسرع رضا و فتح الباب و حملق في القادم و قال بصوت مرتجف : " هو أنت يا خالد !؟ ماذا تريد!؟ ماذا حدث !؟
فتمتم خالد بصوت خفيض، مهموس: " توفي الشيخ الذهبي، صدمته سيارة هذا المساء... ! و حمل إلى المستشفى .. غير أنه فارق الحياة !؟ نعم فارق الحياة على أبشع صورة يمكن تخيلها !؟
و عم اللغو في المجلس ثم سمعنا عبد الحميد يقول بصوت لا يخلو من رنة الأسف: " رحمة الله عليك يا عم الذهبي ..لقد كانت حياتك عظة .. و كذلك موتك .. !؟ " ثم خرج كل من كان في المجلس و افترقنا .



إني قادم إليك يا عبد الحميد ... لقد جعلت حياتي جحيما لا يطاق ..إني أكاد أهلك ... سأبحث عنك في كل مكان .. إلى أن أجدك .. كانت بي رغبة جامحة لملاقاة عبد الحميد !؟ و سألت عنه فقيل لي إنه هناك ... و ذهبت إلى هناك ... و فجأة وجدتني مع عبد الحميد وجها لوجه ... كان قد انتحى له ركنا ... بإحدى الحانات الكبيرة ... كانت يداه ترتعشان ... وهو يأخذ الكأس ليفرغها في جوفه .. !؟ لما رأيت عبد الحميد على هذه الحال ... أحسست كأن شيئا ينهار داخلي ... !؟ فصحت بأعلى صوتي : " .... سأقتلك يا عبد الحميد ... أنت لم تعد تصلح للحياة ... أنت لم تعد تصلح للحياة ...أنت لم تعد تصلح للحياة ... !؟
واستيقظت مذعورا .. و جاءت أمي مهرولة وهي تقول: " مالك يا بني !؟ فقلت لها : " أمي ... أرجوك أن تحضري لي بقجتي غدا صباحا ... لأني سألتحق بصديقي عبد الحميد ... بالعاصمة، إن الحياة هنا لم تعد تطاق .. و لن أحتملها بعد اليوم .. !؟